الأمن كابتزاز: جذور الدولة الحامية في العالم العربي

الأمن كابتزاز:

جذور الدولة الحامية في العالم العربي

سيدأحمد ﭬوجيلي

باحث في السياسة الدولية (الجزائر) 

لماذا يخدم تنظيم القاعدة مصالح العديد من الدول العربية؟ ولماذا تكون صناعة التهديد وتوظيفه محليا استراتيجية مربحة للنظم الاستبدادية؟ كيف يمكن أن توفر الدولة الأمن عن طريق الترويج لانعدام الأمن؟ ولماذا الشعوب مجبرة دوما على إطعام الغول الذي يلتهمها في النهاية؟ هذه ليست مجرد أسئلة استفزازية لمجادلة انفعالية، وإنما هي مسمار عجلة ما يسمى بـ الدولة الحامية Garrison State في العالم العربي.

كان هارولد لاسويل Harold Lasswell أول من استعمل مصطلح الدولة الحامية في ثلاثينيات القرن العشرين[1] عندما أشار إلى أنها الدولة التي ــ في ظل حضور الأزمة والتهديد والاستعداد الدائم للحرب ــ تسيطر على كل سمات الحياة في المجتمع. وتعرّف هذه الدولة عادة كدكتاتورية، عنيفة، متمركزة ومتكاملة. وهي تصنّف أيضا كدولة قوية قياسا بمجتمعها المنقسم أو الضعيف. وتظهر الدولة الحامية كنتيجة للعيش تحت التهديد الدائم، وهذا ما يجعل من يسميهم لاسويل بـ اختصاصيو العنف ــ الجنود، والشرطة، والاستخبارات ومساعدوهم المدنيون ــ المجموعة الأقوى في المجتمع.[2] وتنحصر انشغالات النخبة الحاكمة في الدولة الحامية في ابقاء الروح المعنوية والنظام الداخلي وإدارة الاقتصاد من أجل توليد القدرات العسكرية القصوى.[3]

تشكل الدولة العربية نموذجا للدولة الحامية: دولة استبدادية وعنيفة ومحوكمة ومتمركزة وقوية قياسا بمجتمعها، كما أنها تسيطر، في ظل حضور الأزمة والتهديد، على كامل سمات الحياة في المجتمع، ويشكل اختصاصيوا العنف ــ خاصة الشرطة والاستخبارات ــ المجموعة الأقوى في المجتمعات العربية. تحيل هذه الخصائص إلى الدولة العربية مستوى عالي من الدولتية (المركزة والأقلمة واحتكار العنف) التي تعتبر عادة مؤشرات على الدولة القوية. ولكننا، لحسن الحظ، بتنا على يقين تجريبي (خاصة بعد الثورات الأخيرة) بأن الدولة العربية ليست قوية كما تتمثل في عنفها وطبيعتها الضارية، وإنما هي ضعيفة وهشة وحتى فاشلة. فأين يكمن تفسير هذا التناقض الظاهر في الدولة العربية ــ بوصفها قوية كدولة حامية وضعيفة كدولة مدنية؟ بمعنى آخر، من أين أتت الدولة الحامية؟

ستجادل هذه المقالة بأن جذور هذه الدولة الحامية تمتد إلى ظاهرة مستشرية في الدول العربية الحديثة، نسميها ابتزاز الحماية. تقوم الدولة بابتزاز الحماية من الشعب بأكمله أو من فئة أو طبقة معينة من المجتمع. ويحدث الابتزاز عندما تقوم الدولة بانتزاع عوائد الحماية من الشعب (على شكل موارد مالية في شكل ضرائب) مقابل حمايته من التهديدات التي تكون هي مصدرها المباشر أو المستفيد الرئيسي من انتشارها. انطلاقا من هذا التوصيف، سنبين في الصفحات القادمة كيف أن الشرعية المتدنية التي تعاني منها الأنظمة العربية تدفعها الى خلق التهديد ــ أو توظيفه على الأقل ــ لتبرير وتسهيل مهمة انتزاع المصادر من شعوبها مقابل حمايتهم من ذلك التهديد.  

بعد أن تنتهي الدولة من انتزاع/ابتزاز المصادر من الشعب، تقوم بإعادة توزيع هذه المصادر على التحالف الفائز Winning Coalition أو ما يعرف بنظام الغنائم Spoil System. يتشكل هذا التحالف الفائز في الدول العربية عادة من النوادي السياسية المغلقة التي تتأسس في معظم الحالات على الروابط النفعية أو الوشائجية. وتكون مسنودة عادة عبر اختصاصيوا العنف ومؤيديهم المدنيين الذين يدعمون التحالف الفائز والنظام القائم في ابتزازه الحماية لانجاز السيطرة على كل سمات الحياة في المجتمع.

سنقوم بتتبع جذور الدولة الحامية من خلال تحليل أمني لعلاقات الدولة- المجتمع في العالم العربي. تحديدا، سنقوم بإعادة النظر في طبيعة ووظائف الدولة عن طريق تشريح الدور الأمني الذي تؤديه في محاولتها لتشكيل المجتمع والسيطرة عليه. بالتالي تمتد مصادر هذه المقالة بين حقلين مختلفين ولكنهما متكاملين، الأول نظرية الدولة، حيث نتابع وظائف الدولة المتعلقة بالحماية والانتزاع، والثاني الدراسات الأمنية، حيث نحلل التوظيف السلبي للأمن كوسيلة ابتزاز. إن التخلف الذي تعيشه الدراسات الأمنية والسوسيولوجيا التاريخية في العالم العربي يعود في جذره إلى عيش الباحثين في كلا الحقلين في جزر منفصلة. وبالرغم من الفائدة الكبيرة التي يعرضها تكامل الحقلين، إلاّ أنه لم تكن هناك أية محاولة تذكر لمد الجسور بينهما في الوسط الأكاديمي العربي. ولقد سبق وأن دفع الباحثون العرب في العلاقات الدولية ثمن هذا الانفصال بسيل عارم من التحليلات السطحية والمشوشة لظاهرة الأمن الدولتي ــ أو ما يعرف اصطلاحا بالأمن القومي.[4] ولكن لم يكن هؤلاء الباحثين وحدهم من دفع الثمن باهظا، إنما كانت الشعوب العربية هي الضحية الأبرز  لأسطورة الأمن القومي العربي. تمثل هذه المقالة محاولة مبدئية ــ مع أنها ليست كافية ــ لكشف القناع الأمني للدولة الحامية في العالم العربي.

الأمن كذريعة : ما بعد أسطورة الأمن القومي

تقول الحكمة التقليدية للدراسات الأمنية أن التعريف الشامل للأمن يتلخص في "الحرية من التهديد".[5]  تقضي هذه المفهمة أن الأمن يحمل دائما في مدلوله قيمة إيجابية ــ هو يحيل إلى الحماية والوقاية والسلامة والطمأنينة والسكينة والاستقرار. هو يحيل أيضا إلى تمثّلات موضوعية كالعقلنة والإدارة والتنظيم. باختصار، هو مرادف لكل شيء مرغوب أو ذو قيمة حيوية. ولكن، بالرغم من ذلك، يحمل الأمن قيمة سلبية أيضا.[6] فاستتباب الأمن، كما أشار منظروا العقد الاجتماعي منذ قرون، ارتبط دائما بالاكراه وتقديم التنازلات وتقييد الحرية والرضوخ للسلطة. ومنذ فجر الدولة الحديثة، اشترت الشعوب الأمن بعملة الحرية، ولطالما قايض الملوك الحماية بالمال والولاء. وفي كل مرحلة، لم يكن الأمن يمثل الاحساس بلذة الحرية بقدر ما كان هروب من ألم اللاأمن.  

توصيف الأمن كخير (واللاأمن كشر) أضفى على المفهوم في العالم العربي مدلولا رومنسيا ساعد على تبرير الممارسات العنيفة والاستبدادية لما يسمى بـ دولة الأمن القومي. فبينما أصبحت العديد من الممارسات اللصوصية للدولة العربية الحديثة لصيقة بأسطورة الأمن القومي العربي ــ بدءا بزيادة الضرائب وفرض التجنيد، وصولا إلى الاستعمال الجزئي للاكراه أو انتهاك الحريات بحجة حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية ــ بدأت الرؤية الرومنسية بتبرير نفسها شيئا فشيئا: لا بأس بالقليل من كل هذه الأشياء إذا كان الثمن هو توفير الحماية!. هذه ليست مجرد الطريقة التقليدية للشرعنة التي لازمت تطور الدولة الحديثة، ولكنها تمثل مزاوجة فريدة بين الوسيلة الاقناعية التبريرية والآلة القمعية الضبطية. لقد كانت سياسة التخويف هي عصب الدولة العربية، وقد أتقنت النظم الحاكمة توظيفها ببراعة من خلال النفخ في التهديدات الداخلية والخارجية. لم تستطع النظم العربية تعبئة شعوبها وراء طموحاتها بدون أن تلعب على وتر الخطر الاسرائيلي (أو الايراني أحيانا)، لذلك وجدت نفسها مجبرة على خلق أسطورة التهديد بسبب شرعيتها المتدنية. أدى التلاعب بالتهديد إلى عيش المواطن العربي طيلة عقود عديدة تحت سطوة الآلة القمعية للدولة بحجة أسطورة الأمن القومي، في حين أن الدول العربية، للمفارقة الساخرة، كانت تهدد بنفسها أمنها القومي بصراعاتها البينية وحروبها المجانية. فالدولة العراقية البعثية، كمثال مأساوي، كانت تمثل التهديد المباشر لأمنها القومي، وهي التهديد الأخطر على الشعب العراقي ــ الذي أغرقته بثلاثة حروب خلال عشرين عاما فقط.

عندما لا يكون هناك تهديد خارجي تستعمله الدولة لابتزاز شعوبها، سواء بسبب تغيير ملموس في موازين القوى أو ارتفاع تكاليف المشاهدين المحليين،[7] فإن سياسة التخويف تتجه نحو البحث عن الأعداء في البيت، وفي قيامها بذلك، تعرّي النظام وتكشف عن الطبيعة الضارية للدولة: بدلا من "البرابرة على الأبواب"، يصبح الشعار الجديد "اقضوا على الخونة". يتحول عندئذ المعارضون السياسيون والطوائف الدينية والأقليات العرقية والجماعات الاجتماعية الأخرى إلى أعداء البلاد ومصادر الفتنة ومهددات الوحدة. التهميش الممنهج لأقليات مثل البربر والأكراد والشيعة والأقباط كان النتيجة المؤسفة لأساطير الأمن القومي. باختصار، ما كان يروج له الكثيرون على أنه الأمن القومي لم يكن سوى أمن النظام الحاكم، وما كان مهددا في معظم تاريخ الدولة العربية المعاصرة، ليس بقاء الدولة في ذاته، وإنما بقاء النظام. لذلك، إذا أردنا فهم الطبيعة المتناقضة للأمن في العالم العربي، لا بد من التمييز بين بقاء الدولة كمؤسسة أو قاعدة طبيعية، وبقاء النظام كأفراد وجماعات.[8]

هذا لا يعني أن الدولة العربية لا تواجه تهديدات خارجية أو داخلية فعلية ــ مجرد وجود اسرائيل يديم الفوضوية في الشرق الأوسط، كما أن الثورات العربية برّئت الخوف الهيستيري للحكام العرب من شعوبهم. ما نقصده بالضبط هو أن الدولة العربية غير الشرعية تلجأ إلى تضخيم التهديدات الموجودة والمبالغة فيها لتبرر وجودها في شكل أقرب إلى "المتلازمة الفارسية": كان الفرس قديما إذا مات الملك يمنحون الشعب حرية مطلقة لخمسة أيام قبل تنصيب الملك الجديد، فإذا استشرى اللاأمن وسادت الفوضوى، أحست الرعية بضرورة وفضيلة السلطة. اختبر الفرس ما تؤكده نظريات علم السياسة اليوم: تستمد الدول قوتها من الأوضاع التي يكون فيها الأفراد في أمس الحاجة إليها. وهذا ما كانت عليه الدولة العربية في أوج قوتها الضبطية والقمعية في فترات الحروب ــ كما هو الحال مع مصر والسعودية وسوريا والأردن والعراق؛ وفترات التهديدات المحلية ــ كما هو الحال مع الجزائر في عشرية الإرهاب ومصر السادات وعراق التسعينيات. سواء تحت سطوة الحرب أو العنف الداخلي، يكون الفرد في أمس الحاجة إلى الحماية، ما يجعله في موقف ضعيف للمساومة مع الدولة، فلا يملك لضمان بقاءه إلاّ الإذعان والاستجابة دون مقاومة. وبما أن الحكاّم يفهمون هذا الترابط، تصبح الحماية هي عملة التداول المربحة بين السلطة والشعب.

لا يمكن أن نعتبر الأمن شيئا إيجابيا إذا كان عنده ضحايا. إن ضحايا الأمن لا يقتصرون فقط على أولئك الذين تطالهم الآلة القمعية للدولة بشكل مباشر وبتمثيل تجسّدي على حد تعبير ميشال فوكو. ولكن يتضمنون أيضا أولئك الذين يقعون فريسة للخطابات التي تروجها النخبة الحاكمة وآلتها الدعائية التي تعبئ كامل المجتمع ضدهم. تصبح بعض الجماعات تهديدا لأمن الدولة والمجتمع لأن النخبة تريدهم أن يكونوا كذلك. أطلق علماء الأمن على هذه العملية اسم الأمننة Securitization، وهي تعني "إضفاء الطابع الأمني على قضية لم تكن تعتبر أمنية قبل التكلم عنها".[9]  فبمجرد أن تتكلم النخبة الحاكمة عن قضية أو فئة اجتماعية معينة باستعمال مفردات أمنية، تتحول هذه القضية أو الفئة بصفة آلية إلى تهديد. هكذا قامت النخب الأروبية اليمينية بأمننة فئة المهاجرين في أروبا، بينما لجأ المحافظون الجدد في الولايات المتحدة إلى أمننة المسلمين بعد 11/9. بالطبع، لا المهاجرون ولا المسلمين تهديدات فعلية وحقيقية للأمن القومي الأروبي أو الأمريكي، وإنما تلجأ إليه النخب الحاكمة لتبرير وشرعنة استعمال الاجراءات الاستثنائية في التعامل مع هذه الفئات المأمننة. هي تقوم بنقل القضية ــ الهجرة مثلا ــ من مجال السياسة العادية حيث تسود القواعد الديمقراطية إلى عالم سياسة الطوارئ حيث يتم تعليق العمل بهذه القواعد.[10] وبهذا يمتلك صاحب السيادة، كما يدعوه كارل شميت،[11] الحق في تعليق الاجراءات الديمقراطية وفرض حالة الاستثناء مادام يرى أن هناك تهديد فعلي أو محتمل للمجتمع. على كل حال، لا تعمل نظرية الأمننة بهذه الطريقة في العالم العربي، لأنه لا توجد السياسة العادية بكل بساطة ــ نظرا لعدم وجود قواعد ديمقراطية، وإنما كل السياسة في الدولة العربية هي سياسة استثنائية. تعيش الدولة العربية في عالم سياسة الطواريء، وبهذا كل فئة أو جماعة معارضة أو منافسة تضع نفسها تحت طائلة الاجراءات الاستثنائية ــ التجسس، والتنصت، والمراقبة، والتفتيش، والابتزاز، والترهيب، والاعتقال، والاختطاف، والتعذيب والتصفية الجسدية في بعض الأحيان. إن الدولة العربية استثنائية، وكل سمات الحياة فيها مأمننة.

إن الأمن القومي العربي مجرد أسطورة تبنى على معادلة أن الدولة تساوي الحماية. عندما تخلق الدولة التهديد أو تضخمه لتبرر شرعيتها أو تزيد اختراقها للمجتمع، ومتى تقوم بالأمننة لتبرر استعمال الاجراءات الاستثنائية، فإنها تصبح هي التهديد الوجودي لمواطنيها، وتصبح تمثل المشكلة وليس الحل. ليس هناك مخرج لتجاوز هذا التناقض سوى إعادة تقييم الرؤية الايجابية للأمن. ما نحتاجه هو إماطة اللثام عن التوظيف الاستغلالي للأمن، بدءا بتكرار الإشارات إلى المدلول السلبي والاستعمال غير البريء للمفهوم، وصولا إلى كشف الإحالات السلبية والمخفية للأمن بوصفه استلاب، واستغلال، وترهيب، وقنانة، وسجن بانوبتيكي (بالمعنى الفوكولي)، وهلم جرا. لم يعد الأمن بعد الآن شيئا نراه أو نحكم بوجوده، فهو أصبح ــ من بين معاني أخرى عديدة ــ خطاب وانعتاق أو تقنية حَوكمية.[12] ولم يعد أيضا قيمة نسلم مسبقا بمدلولها الايجابي، وإنما أصبح شيئا ننظر إليه بعين الشك ونفتش وراءه: من المستفيد؟ من ضحاياه؟ ما هي حدوده؟

الأمن كسلعة: جذور الدولة الحامية

في مقال استفزازي حمل عنوان: شن الحرب وصنع الدولة كجريمة منظمة (1985)، أعلن تشارلز تيلي Charles Tilly أن شن الحرب وصنع الدولة هي الظواهر الأكثر تجسيدا للجريمة المنظمة. هي جريمة منظمة لأنها تمثل عملية ابتزاز تقوم بها الدولة ضد مواطنيها: توفر الدولة الحماية لمواطنيها من الأعداء المحليين والخارجيين، وبالمقابل تطلب من هؤلاء المواطنين المساهمة في محاصيل التعبئة والانتزاع (تسليم الضرائب والتجنيد) لقاء هذه الحماية. اذن هي تعمل كسمسار يطلب العائد لقاء السلعة التي يوفرها. ولكن في كثير من الأحيان تكون الدولة هي مصدر التهديد عندما ترهق المواطنين بالضرائب والتجنيد الإجباري أو تشن الحرب التي يموتون فيها. اذن تخلق الدولة التهديد لمواطنيها ثم تسعى لحمايتهم منه، وهكذا تصبح مختصة في ابتزاز الحماية.[13]

لاقت أطروحة تيلي حول ابتزاز الحماية دعما تجريبيا معتبرا في حقل العلاقات الدولية والتاريخ الاقتصادي. أكّدت كامرون ثيز Cameron Thies أطروحة تيلي في إشارتها إلى اعتماد كفاءة الانتزاع على قدرة الحاكم على المساومة مع المنافسين المحليين حول الدخل على شكل عائد للحماية من المنافسين الخارجيين.[14] وفي مقال مرجع، أشار إدوارد آيمس Edward Ames  وريتشارد رايب Richard Rapp ببصيرة نافذة أن جميع الحكومات توفر مصلحة عامة تتمثل في الدفاع والعدالة، وأن "أسعار هذه السلع (الضرائب) يمكن أن تصبح ابتزازية إذا تكسب الحكومات أرباح احتكار".[15] باختصار، إن تاريخ الدولة شبيه برجل المطافئ الذي يضرم حريقا ويهم لإخماده. فقد مارست الدولة الانتزاع باسم حماية الشعب من التهديد، ولكنها كانت في كثير من الأحيان هي سبب ومصدر التهديد ذاته، وبالتالي عملت كسمسار يبتز الزبون لإعطائه عائد لقاء خدمة وهمية. هذا ما دفع دوغلاس نورث Douglass North  وروبرت توماس Robert Thomas إلى تعريف الدولة كـ "منظمة تقدم الحماية مقابل عائد".[16]

نقدم بشكل سريع المقاربة المقترحة لتفسير الدولة الحامية في العالم العربي. تعيش الدولة العربية على عوائد الحماية. تستغل النظم العربية في كثير من الأحيان بعبع التهديدات أو الأزمات لتخويف مواطنيها، وإذا لم تكن بارزة أو موجودة، تقوم بخلقها أو تضخيمها. أولا، تقوم النخبة الحاكمة بتعريف مصدر التهديد (دولة منافسة أو جماعة اجتماعية معينة)، ثم تستعمل آلتها الدعائية لتنشر أمننتها إلى بقية مكونات المجتمع مستعملة حجة الأمن القومي. عندما يقبل المجتمع خطابات الدولة ويعتنق أسطورة الأمن القومي، تظهر الدولة الحامية. في ظل جو التهديدات والأزمات، يصبح اختصاصيو العنف المجموعة الأقوى في المجتمع. يجب التنويه هنا إلى أن الهدف الأساسي للجنود والشرطة والاستخبارات في الدولة العربية ليس حماية الشعب عمليا، وإنما حماية النظام، لأن مصدر منزلة ونفوذ هذه المجموعات يعود أساسا إلى السياسة التوزيعية للنخبة الحاكمة. يقوم هؤلاء اختصاصيو العنف بالتحالف مع الممثلين المدنيين ــ مثل القضاة والبيروقراطيين الحكوميين ورجال الأعمال وغيرهم ــ مشكلين ما يسمى التحالف الفائز.

ثانيا، تقوم الدولة الحامية بتوظيف التهديدات والأزمات لانتزاع المصادر وتعبئة المجتمع وراء أهدافها. تقوم بذلك من خلال الوعد بالجوائز والتهديد بالعقاب. لأن توفير الحماية والأمن للشعب يتطلب الموارد المالية والبشرية، تقوم الدولة بفرض الضريبة والخدمة العسكرية على المواطنين. تعرض الدولة خدمة الحماية مقابل عائد مالي ورمزي؛ وبسبب التهديدات والمخاطر الملحة، تتوقع الدولة أن يمتثل المواطنون بسهولة تلبية للصالح العام. في حالة رفض المواطنون تسليم أموالهم وأولادهم للدولة، تستعمل هذه الأخيرة آلتها القسرية ــ اختصاصيو العنف ــ لانتزاعها عنوة وتسليط العقاب على المتهربين (من دفع الضريبة أو التجنيد). في حالة لم يكن هناك تهديدات وجودية فعلية، تقوم الدولة بخلقها أو تضخيمها لضمان الامتثال الطوعي، وتساوم مع الجماعات الاجتماعية حول الكلفة التي يمكنها تحملها لتوفير الحماية والأمن لها. هذا ما يمثل ابتزاز الحماية من منظور الدولة الحامية. ثالثا، بعد أن تنتهي الدولة من انتزاع/ابتزاز المصادر من الشعب، تقوم بإعادة توزيع هذه المصادر بما يضمن حصول التحالف الفائز ــ اختصاصيو العنف وحلفائهم المدنيين ــ على معظم السلع بينما تحرم عامة الشعب. يدعم هذا التحالف النظام والنخبة الحاكمة في ابتزازها الحماية لانجاز السيطرة على كل سمات الحياة في الدولة الحامية. 

عندما تعمل الدولة العربية الحامية بهذه الطريقة، فإنها تعادل خصائص الدولة القوية والاستبدادية والعنيفة والمحَوكمة والمتمركزة. تمتلك مثل هذه الدولة أيضا قوة واستقلالية نسبية قياسا بمجتمعها، وتحوز على قدرة عالية لاختراقه وإعادة تشكيله. هذا ما تبدوا عليه الدولة الحامية بسبب الآلة القمعية التي تسندها. يطلق نزيه الأيوبي على هذا النوع القمعي من الدول اسم الدولة الضارية، وهي الدولة التي تبدوا قوية ومتحدة ومتماسكة من خلال استعمال آلتها القمعية، ويميزها عن الدولة القوية التي "تكمّل المجتمع ولا تناقضه، ولا تظهر قوتها في إخضاعها للمجتمع بل في قدرتها على العمل مع مراكز القوة في المجتمع أو من خلالها".[17] يستنتج الأيوبي أن الدولة العربية ليست قوية كما تظهر لنا من الخارج، لأنها لا تمتلك قدرات انتزاعية كبيرة ولا تستطيع القيام بمهمة الانتزاع المقنن(الضرائب المباشرة) بدون استخدام الآليات القسرية.[18] في حين أننا نوافق الأيوبي حول موضوع القدرة الانتزاعية المتدنية كمؤشر فعال لضعف الدولة العربية، إلاّ أننا نجادل بأن هذه الدولة الحامية هي في الواقع أكثر ضعفا مما تصور. إن تبعية الدولة البنيوية للعائدات المنتزعة من الساحة المحلية والخارجية تجعلها هدفا للابتزاز المعاكس ــ متى تكون القيود والموانع على الانتزاع كبيرة، تجد الدولة العربية نفسها مجبرة على خلق التهديدات والأزمات وتوظيفها لابتزاز العائدات من الساحة المحلية (الضرائب من المواطنين) ومن الساحة الدولية (المساعدات الخارجية). عندما ترتفع كثافة الابتزاز (أي التخويف من أجل الانتزاع) إلى درجة إرهاق الشعب ودفعه إلى المقاومة، تزداد كلفه مقارنة بمنافعه، ويبدأ الارتداد عن التحالف الفائز وتصبح الأزمات والاضطرابات والثورات الرد الملائم على هذه الحالة.

الأمن كابتزاز

ظهرت الدولة الحامية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وتؤرخ تحديدا بانقلاب سوريا 1949 ثم انقلاب الثورة المصرية 1952. حملت هذه الدولة الوليدة منذ ساعاتها الأولى جينات العسكرتارية،[19] حيث يقدّر البعض حدوث 38 انقلاب عسكري في العالم العربي خلال العقد 1960-70.[20] افتقرت معظم النظم الانقلابية إلى الشرعية في نظر مواطنيها، وواجهت ساحة محلية مليئة بالمنافسين الأقوياء كالأحزاب السياسية والتشكيلات الاقطاعية والبورجوازيات البيروقراطية والانتليجنسيا النامية، وهلم جرا. كما واجهت بيئة دولية خطيرة تمثلت في وجود اسرائيل على حوافها والتنافسات العربية المحتدمة على الزعامة. في ظل هذه التحديات تابع العسكر استراتيجيات البقاء، فقاموا بتأسيس سياسة قائمة على منطق "لعبة المستويين": يتمثل المستوى الأول بضمان السيطرة التامة على المجتمع (مصر وسوريا والعراق والجزائر)، سواء بواسطة اقتفاء الشرعنة أو ــ إذا فشلت ــ اختراق وتطويق المنافسين المحليين. ويتمثل المستوى الثاني في زيادة قوة الدولة العسكرية لإنجاز الموازنة بين تصورات الهيبة وتوزيع القوة في النظام الإقليمي العربي.

بدأ العسكر متابعة أهداف السيطرة المجتمعية بامتصاص المجموعات المكرتلة، حيث قاموا بتشكيل تحالف مع النخبة التكنوقراطية وبعض القوميين الحزبويين.[21] مثّل التحالف الثلاثي بين العسكر والتكنوقراط والقوميين النواة المشكلة للتحالف الفائز، حيث اقتسمت التشكيلات الثلاثة كعكة الدولة ورضيت بتبادل الأدوار ضمن تسوية وفرت للعسكر قاعدة شرعية (غير موجودة في الواقع) لإحكام السيطرة على الهوامش بتكلفة منخفضة نسبيا، ومنحت التكنوقراط والقوميين عوائد مادية ورمزية (خاصة الايديولوجية) كأعضاء في نظام الغنائم. شكّل هذا التحالف (الذي يشترك في النسب والتحدر الطبقي ذاته: الطبقة الوسطى الأجيرة والحرة) شيئا شاذا وغير مألوف في التكوين المجتمعي العربي، وهو شكل لم يجد له الأستاذ خلدون حسن النقيب تعريفا سوى الاشارة إلى اختلاف المراقبين حول تسميته: برجوازية بيروقراطية أجيرة أو طبقة وسطى جديدة أو مجرد نخبة منسلخة عن الطبقات.[22] نجد الوصف الأخير هو الأقرب إلى الصحة. ففي الواقع هي لم تكن تمثل طبقة بذاتها ولكن ما يطلق عليه علماء السياسة تحالف تقايضي Coalition Logrolling: تقوم جماعة معينة بمقايضة دعمها إلى تفضيل جماعة أخرى مقابل استلام دعم تلك الجماعة لتفضيلها. هكذا قام البيروقراطيون والقوميون بدعم العسكر للبقاء في السلطة وإحكام السيطرة على المجتمع مقابل دعم العسكر للمتطلبات الوظيفية والرمزية للوكالات البيروقراطية (خاصة الاستقلالية وتوزيع الغنائم) والأجندة الأيديولوجية والسياسية للقوميين. السمة التقايضية للائتلاف تدعم حجة أولئك الذين وصفوا هذا التحالف الثلاثي كمجرد زواج مصالح مؤقت.

حيثما نجح العسكر في بناء هذا التحالف التقايضي، وقد نجحوا بالفعل في مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر، دفعتهم القوة المستمدة من التحالف إلى اختطاف الدولة وتسخيرها لأهدافهم وسياساتهم.[23] عندما نجحوا في امتصاص البيروقراطية وأصبحت الدولة وكل مؤسساتها تحت سيطرتهم، بدأ العسكر باستعمالها كسلاح لمحاربة المنافسين المحليين. كانت مصر رائدة في هذا المجال. بيّنت الدراسات الرائدة لعلماء مثل إلين تريمبرغر Ellen Trimberger وجويل ميغدال Joel Migdal ومايكل بارنيت Michael Barnett، كيف استولى عبد الناصر والبيروقراطيون المستقلين على قوة الدولة وأعادوا تنظيمها، ثم استعملوا الدولة لتحطيم الطبقة المهيمنة القائمة. حاولت بيروقراطية الدولة إعادة هيكلة المجتمع الريفي المصري بمحاربة ملاّك الأراضي الاقطاعيين ودعم طبقة الفلاحين، وهي سياسة تمخضت عن عواقب وخيمة (عسكرية بشكل خاص) حلّت بالدولة المصرية جراء تدمير عبد الناصر وشلّته لطبقة كبار ملاّك الأراضي الحيوية في انتزاع المصادر (الشحيحة أصلا) الضرورية للمنافسة العسكرية مع اسرائيل.[24] على كل حال، التجربة المصرية ليست فريدة؛ ساهم التحالف التقايضي في ضمان سيطرة العسكر في معظم العالم العربي على كامل مؤسسات الدولة، بدءا من البرلمانات والمجالس المنتخبة والوكالات البيروقراطية والأحزاب والتنظيمات السياسية وصولا إلى النقابات العمالية والاتحادات المهنية وباقي هيئات المجتمع المدني. اختلف الضحايا وتنوعت أشكالهم، من طبقة النبلاء وملاك الأراضي وصولا إلى الحركات الطلابية والصحافة المعارضة.

ابتكر العسكر مجموعة من الحيّل، كسياسة المدننة وتبادل الأدوار، كوسيلة للتواري والانصهار في التدرج العمودي للسلطة (كانت وسيلة رشوة وبيع المكاتب وإهداء المناصب ومحاباة الأقارب والزبونية حاسمة في هذا الصدد). نزع العسكر بزاتهم الحربية وتوزعوا على الوزارات والدوائر المحلية والهيئات البلدية وصولا إلى المستويات الدنيا من بيروقراطية الدولة. وفي حين أصبحوا أكثر تكنوقراطية، تحوّل التكنوقراط التقليديين إلى المهام شبه العسكرية، فاندمجوا في حقول الاستخباراتية وإدارة التهديد أو ما يعرف اليوم بمهنيي اللاأمن Insecurity Professionals. عند هذا التبادل في الأدوار بدأت المعالم القسرية للتحالف الفائز تتشكل شيئا فشيئا، بحيث زادت هذه سياسة الكراسي المتحركة من أهمية الجيش والشرطة كوسائل للإسناد السلطوي، وأصبحت العملية الاستخباراتية عصب الدولة. توسعت دائرة اختصاصيوا العنف في وقت لاحق لتشمل جميع الهيئات الضبطية والرقابية، مثل الدرك، والجمارك، وشرطة الحدود، والشرطة الحضرية، وشرطة مكافحة الشغب، والحرس الجمهوري، وحرس السجون، وفرق مكافحة التجسس. رافق هذا التوسع أشكال هندسية متطورة للسجون والمعتقلات وطرق أكثر احترافية (وغير مرئية) في المراقبة والتجسس والتجنيد الاستخباراتي والاختطاف والتصفية الجسدية. بحلول الثمانينيات، كانت كل الشعوب العربية تعيش في مجتمعات ثكنية.

ربما زادت الدولة العربية الحامية مما دعاه مايكل مانMichael Mann  القوة الاستبدادية: قوة نخبة الدولة نفسها على المجتمع المدني؛ ولكنها ظلت غير قادرة على إنجاز قوة البنية التحتية: قوة الدولة على اختراق وتنسيق نشاطات المجتمع المدني مركزيا عبر بنائها التحتي. [25]لم تتمكن أية دولة عربية من الوصول إلى الهوامش والسيطرة عليها بشكل تام، وتتمظهر معضلة "الامتداد الناقص" في فشلها المستمر في انتزاع الضرائب وإلزام التجنيد، خاصة في الدول التي تسيطر فيها أقلية دينية أو اثنية على الدولة. وإن كانت الدولة التخصيصية النفطية قادرة على الهروب ــ بشكل مؤقت ــ من النتائج السلبية لهذا الضعف البنيوي،[26] فإن الدولة الشحيحة الموارد تعاني بشكل مزمن. عندما تواجه الدولة قيود ومقاومة كبيرة من المجتمع في انتزاع الموارد فإنها تطلق الدوامة التي يبدأ فيها التحالف الحاكم بالانهيار تحت أقدامها، لأن حصص الكعكة تتقلص باضطراد بينما تكثر السكاكين حولها. أمام شح الموارد ونقص العائدات، يجد النظام القائم نفسه غير قادر على تلبية متطلبات أولئك الذين يدعمون بقاءه في الحكم، وتزيد الضغوط والتهديدات الدولية من حدة المعضلة، فيجد النظام نفسه أمام المفاضلة بين تخصيص الموارد الشحيحة إلى حماية الأمن القومي أو إبقاء التحالف الفائز. في الواقع، لم يسبق أن كانت هذه المفاضلة معضلة للنظم العربية، لأنها كانت دوما تميل إلى تفضيل بقاء المنصب على البقاء الوطني. لذلك تصبح المهمة الملحة للنظام هي إبقاء التحالف الحاكم (وليس بقاء الدولة) من خلال السعي إلى توليد العائدات. ولكن هذه المهمة ليست سهلة على الاطلاق. من بين الأمور القليلة التي يعرفها الحكام العرب عن شعوبهم أنهم لا يرونهم كممثلين شرعيين لهم. وقد علمتهم التجارب السابقة أن الوسائل القسرية لوحدها غير كافية لحث الشعب على تسليم أمواله للدولة، كما أن كمية كبيرة من عائدات الضريبة يتم امتصاصها من طرف الوكالات البيروقراطية الوسيطة (الممثلة بموظفي الشعب) التي تقوم بتحريفها أو تبديدها وبالتالي تمنع وصولها إلى خزينة الدولة.    

هذا المزيج بين السطوة والمال ليس حديثا على الدولة العربية المعاصرة، فقد أشار عبد الله العروي في كتابه الرائع مفهوم الدولة إلى أن إرثنا الحاضر يعود إلى الدولة السلطانية التي كانت دولة القهر والسطو والاستغلال.[27] بنيت هذه الدولة على ثلاثة أركان: الجيش والضرائب والإدارة، جميعها تمتد إلى الدولة الحديثة التي أصبح فيها "جهاز السلطة وسيلة قمع تستعملها جماعة معينة لتحقيق أهداف خاصة بها، فتتحول البيروقراطية الحكومية إلى مجموعة أمناء على مصالحها والخزينة العمومية إلى بيت مال خاص تحت تصرفها".[28] بيد أن العروي، مثل حسن النقيب، يميل لمعالجة قدرة الحكام على الانتزاع ــ أو فرض الضريبة ــ كشيء معطى وبديهي، وهو ما يتضح في تعريفه للدولة بوصفها "القهر والتصرف الحر في بيت المال".[29] لا يعالج العروي تأثير المقاومة المجتمعية على الدولة بجدية، وبذلك يقع في الاختزالية التي تمثل الدولة العربية كجهاز قمعي ذو قدرة كبيرة على الانتزاع. ما يفلت من انتباه العروي واختزاليون آخرون هو السؤال التالي: كيف تقوم الدولة (أو الحاكم) بتبرير الانتزاع بدون إثارة المقاومة المجتمعية التي تنتج عن الاستعمال المفرط لآلة الإجبار؟

اكتشف الحكام العرب الإجابة في المساومة الضريبية ووجدوا فيها حلاّ جذابا لمشكلة تناقص العائدات. إن مبرر المساومة بسيط: توفر الدولة سلعا عامة تتمثل في الأمن وحماية حقوق الملكية مقابل الحصول على إيراد. تقوم الدولة بحماية الأفراد والمجموعات من بعضهم البعض ومن الأعداء الخارجيين لقاء حصولها على الموارد التي تمكنها من ممارسة هذه المهام. حفظ الحكام الحكمة جيدا: كلما اشتد الخطر على المواطن، تزيد حاجته إلى حماية الدولة، وبالتالي تزيد رغبته وامتثاله الطوعي لدفع الضرائب. ما يحتاجه النظام لضمان بقائه هو وضع الشعب تحت فكرة التهديد الدائم، حتى يتسنى له تعبئته بسهولة وراء أسطورة الأمن القومي. لجئت العديد من النظم العربية إلى المتاجرة بنزاعاتها مع اسرائيل لغايات انتزاعية وتعبوية إضافة إلى رغبتها في تحسين شرعيتها. جميعها فشلت بهزائم مذلة. عندما فشلت أسطورة التهديد الخارجي في تخويف الشعوب العربية (أو بالأحرى عندما فضح أمرها)، لجأت النظم الحاكمة إلى تضخيم التهديدات الداخلية أو خلقها في حالة أنها لم تكن موجودة. الخونة والعملاء والجواسيس والمخربون والإرهابيون والحرس القديم ــ هذه بضعة أوصاف استعملتها النظم لوصف الجماعات الاجتماعية والسياسية المعارضة، كمرحلة ابتدائية لأمننتهم. استعملت دول أخرى فزاعة الإسلاميين دون جدوى، فكما تطالعنا التجربة المصرية، ترافق قمع عبد الناصر والسادات من بعده للاخوان المسلمين بزيادة التعاطف الشعبي مع الجماعة. هذا ما يفسر بعض اشارات التواطئ في النظام المصري مع الأعمال الإرهابية التي انفجرت في الثمانينيات لأنها فتحت له فرصة سانحة لاستعمال فزاعة الجماعات المتطرفة وضرب شعبية الإخوان. وربما المثال الأكثر جدلا لتوظيف الإرهاب كوسيلة تعبوية يوجد في الجزائر. فبعد قيام الجيش بإلغاء المسار الانتخابي الذي اكتسحت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ صناديق الاقتراع، لجئت هذه الأخيرة إلى العنف المسلح لاسترداد مكتسباتها. ولكن عندما  أُحبط الإنقاذيون من عدم تجاوب الشعب معهم (كانوا يراهنون على ثورة شعبية عظيمة) بدئوا باقتراف المجازر الرهيبة انتقاما منه. جلست الدولة في المرحلة الأولية تراقب المجازر بدون حراك. كانت تنتقم من الشعب الذي لم يصوت على حزبها العتيد (جبهة التحرير الوطني)، وكانت كمن يوبخه قائلا: هذه حقيقة أولئك الذين منحتموهم أصواتكم. هذه نسخة جزائرية من المتلازمة الفارسية. كان يعتقد النظام الجزائري أن العمليات الارهابية لن تدوم طويلا عندما يقوم الجيش بالتدخل، ولكن للأسف، عندما بدأ بالتدخل فعليا كانت الجماعات الارهابية أقوى مما تصور النظام، وخرجت الأمور عن نطاق السيطرة لما يزيد عن عقد من الزمن. إنه لتحدي ممتع أن يفسر دايفيد إيستن وجود نظام سياسي يخفق في توفير السلعة الحيوية الأولى لشعبه؛ أي الأمن ــ بل يكون هو المصدر الأساسي للاأمن ــ ويبقى متماسكا وقويا. إنها خاصية الدولة العربية الحامية: قوية في ظل العنف، ضعيفة في زمن السلم.  

تضع الأزمات والتهديدات والمخاطر ورقة مساومة قوية في يد الدولة، بحيث تصبح مقايضة الحماية بالضرائب تجارة مربحة. وبينما تنجح الدولة في ابتزاز الشعب وتنتزع منه الموارد التي تحتاجها، تقوم بتوزيعها على التحالف الذي يدعمها والذي يسهر على حمايتها. يذهب قسط كبير من الموارد إلى اختصاصيو العنف ــ أجهزة الجيش والشرطة، وهذا ما يفسر المكانة الرفيعة للضباط في بعض المجتمعات العربية ــ كما يستلم حلفائهم المدنيين مثل القضاة والإعلاميون والنوادي المالية وجماعات المصالح والقيادات السياسية الموالية حصصا متفاوتة قياسا إلى دورهم وقربهم من النظام. وقد تستلم بعض الأقليات أو المناطق معاملة تفضيلية في سياسة التخصيص لأن النخبة الحاكمة تنتمي إليها. وفي حين يستولي التحالف الحاكم على حصة الأسد من سياسة التوزيع، لا يحصل الشعب سوى على قسط كفافي بسيط من الدخل القومي، وتسقط كل الأعباء الناجمة عن تزايد كلف الحماية والاستهلاك على كاهله.

كلما زادت الدولة من ابتزاز شعبها زادت قوتها، وكلما زاد الحكام في إغناء حلفائهم وإفقار بقية الشعب ضمنوا البقاء في السلطة لوقت طويل. هذا ما استنتجه أيضا عالم سياسي مرموق كـ بروس بينو دي ميسكيتا Bruce Bueno de Mesquita عندما كتب: "إنها لحقيقة سياسية أن الزعماء الذين يجلبون الحرب والفاقة إلى أمتهم يدومون في المنصب أطول من الزعماء الذين يجلبون السلام والازدهار"، هذا لأن: "المستبدون الذين ينتجون مستويات رائعة من الازدهار يمتلكون فرصة تقدر بـ 10 بالمائة للاستمرار في المكتب لمدة 13 سنة، ولكن إذا ينتجون فرص استثنائية لأزلامهم للاغتناء باستغلال السوق السوداء الحيوية، ترتفع فرصة بقائهم نفسها إلى  17 سنة".[30] تدل هذه الأرقام بأن الأنظمة الاستبدادية "أكثر احتمالا لتبني السياسات التي ترفع عائداتها، سوية مع عائدات مجموعات معينة، على حساب كامل المجتمع".[31]  ولكن لهذه السياسات مخاطرها. فاعتماد النظم العربية على اختصاصيو العنف والتحالف الفائز في ضمان بقائها يجعلها عرضة لخطر الارتداد، أي انسحاب بعض الأطراف من التحالف كنتيجة لعدم رضاهم على توزيع الحصص أو تقسيم الجوائز، أو كنتيجة لتغيير في الثقافة السياسية أو حدوث تغير جيلي أو ثوري. الأنظمة التي تفتقر إلى الشرعية لن تدوم طويلا إذا توقف حلفائها عن التجديف أو قفزوا من القارب متى يبدأ بالغرق.

عندما تكون مقاومة المجتمع قوية للدولة في انتزاع الضرائب فإنها تلجأ إلى تهويل التهديدات وتكثّف من سياسة التخويف وتخلق التهديدات والأزمات التي تجعل المواطنين مجبرين على الانصياع للدولة كمقابل لحصولهم على الحماية. عندما تنجح الدولة في ابتزاز الحماية، تتفوق على المنافسين المحليين وتزداد قوة. ولكن عندما تصادف مقاومة شرسة من قبل دافعي الضرائب حتى بعد تضخيم التهديدات،  تتحول الدولة إلى الآلة القسرية لضمان تدفق العائدات. استعمال الإجبار عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر لأنها ترفع احتمال حدوث الثورات والتمردات. ولكن بالنسبة للنظم العربية غير الشرعية، يصبح  استعمال القمع والعنف الوسيلة الوحيدة المضمونة لاحتواء الحراك المجتمعي. ربما تلجأ الدولة ــ كإجراء أخير ــ إلى استخدام آلتها القسرية لابتزاز العائد من المواطنين بواسطة الطرق الاستثنائية كالتغريم والاقتطاع والمصادرة أحيانا. عندما يصبح المجتمع مرهقا بأعباء الضرائب وتدخلات الدولة المتكررة، يقوم برد الفعل الجوابي على مخرجات النظام، وهو رد لا يتمظهر في حرمان الأصوات أو المعاقبة الانتخابية، وإنما يأخذ في مجتمعات العالم العربي أشكالا مرئية قد تتجلى في مشاهد تتراوح من اضرابات العمال واعتصامات الحقوقيين وانتفاضات الضريبة وثورات الخبز وأعمال شغب الشباب. عندما تصبح هذه الردود ملموسة، يبلغ الابتزاز حدا تزيد فيه تكاليفه على منافعه، وبمعنى آخر، تزيد تكاليف الحماية على الاستهلاك والاستثمار، وتبدأ الغلال المتناقصة تفرض المزيد من الأعباء على النظام الحاكم.

عندما تتناقص عائدات الدولة، يدرك النظام أنه لا يستطيع تلبية جميع متطلبات التحالف الفائز، ومع تضائل الكعكة المستمر، يلجأ النظام إلى تطبيق نظرية "مبدأ الحجم" عبر تضييق حجم التحالف لكي لا يضطر لنشر الغنائم إلى الشركاء الذين يستنزفون الكثير من موارد الحلف.[32] انحصار التحالف الحاكم وتقلصه لا يعني اختفاءه. العديد من الدول العربية، ودول نامية أخرى أيضا، لجئت في العديد من المرات إلى تقليص حجم التحالف الفائز ــ بشكل مؤقت على الأقل ــ ونجت من الانهيار. ولكن عندما تستمر تكاليف الحماية بالارتفاع على حساب العائدات ما بعد تقليص حجم التحالف الفائز، يفشل النظام في تلبية مطالب حلفاءه الأقرب ويتعذر عليه حماية مصالحهم (خاصة من المنافسة الخارجية)، مما يؤدي إلى بداية تفكك التحالف وانهياره في النهاية، فيما يحتفظ النظام بالنواة الضيقة والموثوقة منه ــ اختصاصيوا العنف. عندما يتفكك التحالف الذي كان يدعم النظام ويمدّه بالشرعية (من منظور الحكام، وللأسف، بعض الفواعل الدولية)، يصبح معتمدا كلية على الآلة القمعية لاختصاصيوا العنف، وهو ما يفسر لماذا كانت النظم العربية عنيفة وضارية في الفترات التي كانت تبدوا فيها ضعيفة، إما بسبب تفكك أو انهيار التحالف الذي كان يدعمها أو بسبب المقاومة المجتمعية الكبيرة للانتزاع. في كل مرة انهار فيها التحالف الفائز تحت أقدامهم، لجأ الحكام العرب إلى الشرطة والجيش والاستخبارات لضمان بقائهم في الحكم، وللأسف، نجحوا في كل مرة. بعد أن يواجهوا الأزمة بالعنف والقمع والاستبدادية، يقومون بتأسيس تحالف فائز جديد، يعيدون من خلاله إعادة إنتاج العملية ذاتها التي تديمهم في الحكم: ابتزاز العائد من المجتمع بحجة الحماية وتقسيمه على حلفائهم للبقاء في السلطة. ۞

 

 

[1]Harold Lasswell, The Garrison State versus The Civilian State, China Quarterly,Vol.2 (Full.,1937),pp.643-9.

[1]Harold D. Lasswell,”The Garrison State,” The American Journal of Sociology, Vol. 46, No. 4 (Jan., 1941), p.455.

[1]Aaron L. Friedberg, In the Shadow of the Garrison State: America's Anti-statism and its Cold War Grand Strategy (Princeton: Princeton University Press, 2000),p.57.

 

[1] لمزيد من التفصيل حول حالة الدراسات الأمنية في العالم العربي أنظر:

سيدأحمد ﭬوجيلي، تطور الدراسات الأمنية ومعضلة التطبيق في العالم العربي (أبو ظبي: مركز الامارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية،2012)؛  وانظر أيضا: ﭬوجيلي، الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،2014).

[1] أنظر:

Barry Buzan, People, States and Fear: An Agenda For International Security Studies in the Post-Cold War Era, 2nd ed. (Boulder :Lynne Rienner Publishers,1991).

[1] Arnold Wolfers, Discord and Collaboration: Essays on International Politics (Baltimore: The Johns Hopkins Press, 1962),p.153.

[1]  أنظر:

James D. Fearon, “Domestic Political Audiences and the Escalation of International Disputes,” The American Political Science Review, Vol.88, No. 3 (Sep., 1994),pp. 577-592.

[1]  ﭬوجيلي،  مرجع سابق،ص.48.

[1] Ole Wæver, “Securitization and Desecuritization,” in Ronnie D. Lipschutz,ed., On Security (New York: Columbia University Press, 1995),pp.54-55.

[1] Rita Taureck, ”Securitization Theory and Securitization Studies,”Journal of International Relations and Development, Vol.9 (2006),p.54-5.

[1] Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty, Trans. by George D. Schwab (MIT Press, 1985),p.1.

[1]Ole Wæver,”Aberystwyth, Paris, Copenhagen: New ‘Schools’ in Security Theory and Their Origins Between Core and Periphery”, paper presented at the 45th Annual Convention of the International Studies Association (Montreal, Canada, 17–20 March,2004).

[1]Charles Tilly , “War Making and State Making as Organized Crime,”in Evans, Rueschemeyer and Skocpol,eds., Bringing the State Back In (Cambridge: Cambridge University Press, 1985),p.171.

[1]Cameron G. Thies,“State Building, Interstate and Intrastate Rivalry: A Study of Post-Colonial Developing Country Extractive Efforts, 1975-2000,”  International Studies Quarterly, Vol. 48, No. 1 (Mar., 2004),pp.53-4.

[1] Edward Ames and Richard T. Rapp, “The Birth and Death of Taxes: A Hypothesis,” The Journal of Economic History, Vol. 37, No. 1 (Mar., 1977),p.177.

[1]Douglass C. North and Robert Paul Thomas, The Rise of the Western World-A New Economic History (Cambridge University Press,1973),p.6.

[1]Nazih N. Ayubi, Overstating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I. B. Tauris, 1995),pp.449-50.

[1] Ibid.,pp.452-4.

[1]Anouar Abdel Malek, Egypt: Military Society, trans. by Charles Lam Markmann (New York: Random House, 1968).

[1] خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة، ط2 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1996)،ص.108.

[1] المرجع نفسه،صص.132-134.

 [1] المرجع نفسه،ص.136.

[1]Jack Snyder, Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition (Ithaca: Cornell University Press,1991),p.31.

[1]Ellen Kay Trimberger, Revolution from Above: Military Bureaucrats and Development in Japan, Turkey, Egypt and Peru (New Brunswick, N.J.: Transaction Books, 1978); Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State-Society Relations and State Capabilities In Third World (Princeton: Princeton University Press,1988),pp.181-203; Michael Barnett, Confronting the Costs of War: Military Power, State, and Society in Egypt and Israel (Princeton, N.J.: Princeton University Press,1992),pp.80-128,210-25.

[1] Michael Mann, States, War and Capitalism: Studies in Political Sociology (Oxford UK: Blackwell Publishers,1988),pp.5-6.

[1]Giacomo Luciani, Allocation vs. Production States: A Theoretical Framework, in Giacomo Luciani,ed., The Arab State (Berkeley: University of Califomia Press,1990),pp.65-84.

[1]  عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط.9 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،2011)،صص.200-1.

[1]  المرجع نفسه، صص.227-8. التأكيد في الأصل.

[1] المرجع نفسه، ص.174.

[1]Bruce Bueno de Mesquita, “Domestic Politics and International Relations,” International Studies Quarterly, Vol. 46, No. 1 (Mar., 2002),p.4.

[1] Mark R. Brawley, “Regime Types, Markets, and War: The Importance of Pervasive Rents in Foreign Policy,”Comparative Political Studies,Vol.26 (1993),p.183.

[1] William Riker, The Theory of Political Coalitions (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1962).

 



[1]Harold Lasswell, The Garrison State versus The Civilian State, China Quarterly,Vol.2 (Full.,1937),pp.643-9.

[2]Harold D. Lasswell,”The Garrison State,” The American Journal of Sociology, Vol. 46, No. 4 (Jan., 1941), p.455.

[3]Aaron L. Friedberg, In the Shadow of the Garrison State: America's Anti-statism and its Cold War Grand Strategy (Princeton: Princeton University Press, 2000),p.57.

 

[4] لمزيد من التفصيل حول حالة الدراسات الأمنية في العالم العربي أنظر:

سيدأحمد ﭬوجيلي، تطور الدراسات الأمنية ومعضلة التطبيق في العالم العربي (أبو ظبي: مركز الامارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية،2012)؛  وانظر أيضا: ﭬوجيلي، الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،2014).

[5] أنظر:

Barry Buzan, People, States and Fear: An Agenda For International Security Studies in the Post-Cold War Era, 2nd ed. (Boulder :Lynne Rienner Publishers,1991).

[6] Arnold Wolfers, Discord and Collaboration: Essays on International Politics (Baltimore: The Johns Hopkins Press, 1962),p.153.

[7]  أنظر:

James D. Fearon, “Domestic Political Audiences and the Escalation of International Disputes,” The American Political Science Review, Vol.88, No. 3 (Sep., 1994),pp. 577-592.

[8]  ﭬوجيلي،  مرجع سابق،ص.48.

[9] Ole Wæver, “Securitization and Desecuritization,” in Ronnie D. Lipschutz,ed., On Security (New York: Columbia University Press, 1995),pp.54-55.

[10] Rita Taureck, ”Securitization Theory and Securitization Studies,”Journal of International Relations and Development, Vol.9 (2006),p.54-5.

[11] Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty, Trans. by George D. Schwab (MIT Press, 1985),p.1.

[12]Ole Wæver,”Aberystwyth, Paris, Copenhagen: New ‘Schools’ in Security Theory and Their Origins Between Core and Periphery”, paper presented at the 45th Annual Convention of the International Studies Association (Montreal, Canada, 17–20 March,2004).

[13]Charles Tilly , “War Making and State Making as Organized Crime,”in Evans, Rueschemeyer and Skocpol,eds., Bringing the State Back In (Cambridge: Cambridge University Press, 1985),p.171.

[14]Cameron G. Thies,“State Building, Interstate and Intrastate Rivalry: A Study of Post-Colonial Developing Country Extractive Efforts, 1975-2000,”  International Studies Quarterly, Vol. 48, No. 1 (Mar., 2004),pp.53-4.

[15] Edward Ames and Richard T. Rapp, “The Birth and Death of Taxes: A Hypothesis,” The Journal of Economic History, Vol. 37, No. 1 (Mar., 1977),p.177.

[16]Douglass C. North and Robert Paul Thomas, The Rise of the Western World-A New Economic History (Cambridge University Press,1973),p.6.

[17]Nazih N. Ayubi, Overstating the Arab State: Politics and Society in the Middle East (London: I. B. Tauris, 1995),pp.449-50.

[18] Ibid.,pp.452-4.

[19]Anouar Abdel Malek, Egypt: Military Society, trans. by Charles Lam Markmann (New York: Random House, 1968).

[20] خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة، ط2 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1996)،ص.108.

[21] المرجع نفسه،صص.132-134.

 [22] المرجع نفسه،ص.136.

[23]Jack Snyder, Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambition (Ithaca: Cornell University Press,1991),p.31.

[24]Ellen Kay Trimberger, Revolution from Above: Military Bureaucrats and Development in Japan, Turkey, Egypt and Peru (New Brunswick, N.J.: Transaction Books, 1978); Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State-Society Relations and State Capabilities In Third World (Princeton: Princeton University Press,1988),pp.181-203; Michael Barnett, Confronting the Costs of War: Military Power, State, and Society in Egypt and Israel (Princeton, N.J.: Princeton University Press,1992),pp.80-128,210-25.

[25] Michael Mann, States, War and Capitalism: Studies in Political Sociology (Oxford UK: Blackwell Publishers,1988),pp.5-6.

[26]Giacomo Luciani, Allocation vs. Production States: A Theoretical Framework, in Giacomo Luciani,ed., The Arab State (Berkeley: University of Califomia Press,1990),pp.65-84.

[27]  عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط.9 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،2011)،صص.200-1.

[28]  المرجع نفسه، صص.227-8. التأكيد في الأصل.

[29] المرجع نفسه، ص.174.

[30]Bruce Bueno de Mesquita, “Domestic Politics and International Relations,” International Studies Quarterly, Vol. 46, No. 1 (Mar., 2002),p.4.

[31] Mark R. Brawley, “Regime Types, Markets, and War: The Importance of Pervasive Rents in Foreign Policy,”Comparative Political Studies,Vol.26 (1993),p.183.

[32] William Riker, The Theory of Political Coalitions (New Haven, Conn.: Yale University Press, 1962).

Newsletter

Name:

Email:

عدد الزوار

mod_vvisit_counterToday150
mod_vvisit_counteryesterday732
mod_vvisit_counterLast week4773
mod_vvisit_counterThis month13670
mod_vvisit_counterAll days545054

We have: 57 guests, 1 bots online
Today: تشرين2 13, 2018
Now I suggest going to the site ( FreePornHq.Net ) and have a good time you'll find, of course, in the meantime, to please you even more you offer different language options, for example, for German ( Freier Porno ) you may come to the address. But, of course, not just German Portuguese service offer like as T ( Pornografia Grátis ) that the point is to provide enjoyment and to enjoy our page we enjoy doing anyway. Of course, you also we haven't forgotten about that Russian in Russia ( бесплатно порно ) address of our service you can get. In the meantime, our industry is important one of the visitors, we haven't forgotten them either, we have prepared a pretty nice area for the Japanese in this field we hope you'll be glad you our in the Japanese ( 無料ポルノ ) connection using the Japanese, you will be able to get service. We don't have the blog in your opinion? Of course, there's our blog that details more clearly with our content we aim to achieve so to achieve this, se ( Hd Porn ) a snapshot of all the content we have added to our site address address address and are constantly changing as this is given we hope that you'll enjoy our blog. Finally, I want to pass our address to your plurk to address this, we have also updated the snapshot if you want to reach ( Free Porn ) and click the link contact us at the address you instant content update, as well as quality that you can continuously Follow us and a world-renowned social networking plurk to encourage our followers at we hope you will be pleased with all the services. Hopefully you'll have a nice time.