الإستراتيجية الأميركية والنظام الدولي

 

علي زياد عبدالله

باحث في السياسة الدولية.

كلية العلوم السياسية- جامعة النهرين.

المقدمة

راوحت الولايات المتحدة منذ بروزها كقوة رئيسة في الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بين تحقيق أهدافها في مناطق التوتر والنزاع في العالم بالتدخل المباشر لحسم الموقف، او استخدام وسائل اخرى تتغير مع تغير مقتضيات البيئة الدولية، اذ تعد مؤشرات القوة والتأثير الوسيلة التي تعتمدها الولايات المتحدة الأميركية في استراتيجيتها من اجل فرض تفوقها وسيطرتها على النظام الدولي منذ تأسيسها حتى الان.

اذ يقترن تأثير الولايات المتحدة الأميركية في النظام الدولي من خلال ما تمتلكه من مؤهلات للقوة والتأثير يجيز لها بأن تكون ذات اثر كبير على الساحة الدولية، فمؤشرات قياس استخدام القوة والتأثير في الاستراتيجية الأميركية لولاية (باراك اوباما) تتلخص في توجه جديد نحو توظيف الإمكانات لممارسة شكل جديد للقوة تتخذ على عاتقها تحقيق الاهداف المنشودة باقل الاضرار الممكنة وبأكبر قدر ممكن من الفرص المتاحة نتيجة ارهاصات الحروب الأميركية في العراق وافغانستان والتي انعكست بنتائجها السلبية على استراتيجية ادارة باراك اوباما التي اتخذت من (الميتا قوة) ما بعد القوة نموذجاً جديداً لتنفيذ الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة الأميركية.

تستند دراسة مستقبل مؤشرات القوة والتأثير الأميركية في النظام الدولي، على بعض معطيات الواقع الدولي وتداعياته لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات، على اعتبار ان من خصائص النظام الدولي الحركة والتغير الدائمين، وبالتالي يعد تعقب المستقبل من المواضيع الصعبة نظراً إلى الطبيعة الحركية لعلم السياسة فهو ثابت المفهوم ولكنه وسائله متحركة، وهكذا هو الحال عن دراسة استراتيجية دولة ما وسياستها الخارجية فالنظام الدولي ذو بيئة دائمة الحركة والنشاط نظراً إلى وجود اكثر من فاعل مؤثر فيه وخصوصاً النظام الدولي الحالي والذي يمكن وصفه بالنظام الدولي غير المستقر في بيئته على اعتبار وجود صراعات دولية بين اقطابه، وبالتالي سوف نتناول مستقبل شكل القوة فضلاً عن مستقبل استخداماتها واشكالها في النظام الدولي، كما سنتطرق الى مستقبل هذه القوة حيال المنطقة العربية والشرق الاوسط.

 

اولاً: اهداف الدراسة

تسعى الدراسة الى تحقيق الاهداف الأتية:

1 ـ التعرف على ماهية القوة واشكالها وتطورها.

2 ـ تبين الافاق المستقبلية لمؤشرات القوة والتأثير في الاستراتيجية الأميركية في الامد القريب الذي لا يتجاوز خمسة اعوام والامد المتوسط والذي لا يزداد عن عشرة اعوام.

3 ـ دراسة اتجاهات القوة في النظام الدولي وأهم احتمالات سلوكها.

4 ـ بيان تأثير سياسة القوة الأميركية في العالم العربي والشرق الاوسط.

 

ثانياً: حدود الدراسة

تتحدد الدراسة بالحدود الاتية:

1 ـ زمانيا، ينطلق موضوع الدراسة من فترة وصول ادارة باراك اوباما الى السلطة وبداية التحول في اتجاهات القوة الأميركية وصولاً الى دراسة الافاق المستقبلية لمؤشرات القوة والتي يمكن حصرها بمدة لا تتجاوز عشرة اعوام،

2 ـ مكانيا، تذهب الدراسة الى تحليل الافاق المستقبلية لاستخدام القوة الأميركية في النظام الدولي فضلاً عن اثرها في المنطقة العربية، والشرق الاوسط .

3 ـ موضوعا، تتناول الدراسة تبين الافاق المستقبلية للقوة الأميركية من حيث الإمكانية والمتغيرات الدافعة لها، وتأثيرها.

 

ثالثاً: المشكلة البحثية للدراسة

لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تمتلك مفاتيح التأثير والتغير في النظام الدولي من خلال ما تمرسه من قوة مفرطة ومحسوبة بأشكال جديدة تتلاعب بها حسب توجهاتها ومصالحها في العالم، فمع وصول (باراك اوباما) الى رأس السلطة في الولايات المتحدة الأميركية تواصل انتهاج سياسة القوة في ادارة ملفات النظام الدولي، ولكن من خلال تدعيم عناصر القوة الذكية والناعمة، اذ  أن اوباما عمل بعد وصوله على ممارسة سياسة القوة الناعمة وتحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية في العالم في الوقت نفسه، من خلال دعم حركات التغير المطالبة بالإصلاحات في بعض الدول العربية فضلاً عن انتهاج استراتيجية القيادة من الخلف والاعتماد على الحلفاء وسياسة الهيمنة بالشراكة وهو ما سمته الادارة الأميركية القوة الذكية (فما هو التوجه الامريكي نحو القوة وماهي شكل هذه القوة وكيف التعامل معها وماهي حجم تأثير هذه القوة وفعاليته والافاق المستقبلية لها)?. وهذا يأخذنا إلى الاجابة عن سؤال مفاده (ماهي القوة التي اتجهت اليها ادارة باراك اوباما في استراتيجيتها في النظام الدولي وهل هي تختلف عن سابقاتها) وماهي اتجاهات القوة الأميركية في المنطقة العربية ?.

ومضامين هذه التساؤلات ستكون هي المشكلة التي تروم هذه الدراسة البحث فيها.

 

رابعاً: اسئلة الدراسة

بعد ان شخصنا مشكلة الدراسة ظهرت لنا الحاجة للإجابة عن الاسئلة الاتية:

1 ـ ما المقصود بالقوة?، وماهي المفاهيم الجديدة لها? وما هي التطورات التي جرت عليها?.

2 ـ ماهي الافاق المستقبلية الشكل القوة المستخدمة في النظام الدولي?.

3 ـ ماهي اهم اتجاهات القوة الأميركية في المنطقة العربية والشرق الاوسط?.

 

خامساً: فرضية الدراسة

تفترض الدراسة الآتي، ان الولايات المتحدة الأميركية قد كيفت وستكيف قدراتها واستراتيجياتها على النماذج الجديدة للقوة حسب مقتضيات البيئة الدولية.

 

سادساً: منهجية الدراسة

إن أي بحث او دراسة علمية ولتبلغ مبتغاها وهدفها، لا بد من ان ترتكز على منهج علمي، ولطبيعة الموضوع، اعتمد الباحث على المنهج الوصفي لوصف وماهي القوة ماهية اشكالها الجديدة، ووصف كيفية استخدامها، كما اعتمد الباحث على اسلوب السيناريوات المستقبلية للوصول الى سلسلة من الفرضيات الاحتمالية لمؤشرات القوة الأميركية في النظام الدولي من خلال تحديد ظاهرة مؤشرات القوة و تحديد مختلف المسارات المستقبلية .

سابعاً: هيكلية الدراسة

قسمت هذه الدراسة الى تمهيد نظري للقوة ومبحثين، خص التمهيد النظري لتناول الجوانب النظرية للقوة وتبين ماهية اشكالها وتطورها.

اما المبحث الاول فقد خص مستقبل مؤشرات القوة والتأثير الأميركي في النظام الدولي من اجل الوقوف على ماهية شكل وطبيعة القوة الأميركية المستخدمة في النظام الدولي اما المبحث الثاني فقد تطرق الى دراسة مستقبل مؤشرات القوة الأميركية في المنطقة العربية والشرق الاوسط من اجل الوقوف على اهم سياسات القوة المستقبلية في هذه المنطقة المهمة.

تمهيد نظري لمفهوم القوة وتطورها

تحتل القوة احد المحاور الرئيسة في حركة النظام الدولي، وتعد اكثر الموضوعات اثارة في الوقت الحاضر، اذ اصبح من مسلمات الموضوعات في تحليل التطورات المتعلقة بالدول، وتفسير التاريخ على اساس تغيير القوى المهيمنة في مراحل زمنية متباينة، فطالما شهد مفهوم القوة اهتماما كبيرا لدراسته وفهم أبعاده، في محاولة لتحليل وقائع التاريخ، والتنبؤ بالمستقبل والاستعداد له، وخصوصاً مع تسارع التغيرات التي شهدها العالم، والتي أدت بدورها إلى تطور المفاهيم السياسية التقليدية، وبروز مفاهيم جديدة مكملة لها تعكس التطورات العالمية.

اذ تعد قوة الدولة من العوامل التي يعلق عليها أهمية خاصة في السياسة الدولية والنظام الدولي(1)، وذلك بالنظر إلى أن هذه القوة هي التي ترسم أبعاد الدور الذي تقوم به الدولة في المجتمع الدولي وتحدد إطار علاقاتها بالقوى الخارجية في البيئة الدولية، ويكتسب مفهوم القوة في السياسة الدولية اهمية اساسية في تحليل وفهم اي نشاط تقوم به الدول والجماعات على حد سواء، لذلك يصبح من الصعب التفريق بينهما، لان السياسة الدولية غالباً ما تعرف في بعض الاحيان على انها سياسة قوة.

تعني القوة في معناها التقليدي "قدرة طرف على التأثير على أطراف أخرى بشكل مقصود"، بحيث يمكن "تقليل مقاومة الآخرين له فيما يتعلق بخطة العمل التي يريد تبنيها في مجال معين في خلال فترة من الزمن، أي أن القوة هي امتلاك القدرات والمصادر التي تؤثر فى النتائج، أي فى سلوك الآخرين لتحقيق الأهداف المبتغاة. وقد جعل هذا التعريف القوة أكثر قابلية للقياس، أي قوة ملموسة، لكن لوحظ أن الذين يستعملون القوة كمرادف للقدرات، مهما امتلكوا من عناصر القوة الملموسة، قد لا يستطيعون السيطرة على النتائج، الأمر الذي أدى لظهور مفهوم "عجز القوة".

وبالتالي فان القوة هي مجموعة القدرات المادية والمعنوية التي تكون بحوزة الدولة والتي تستطيع من طريقها أن تؤثر في سلوك الوحدات الدولية الأخرى, والقوة بكل مقوماتها لا تفصح عن مكنونها ولا تكشف عن نفسها إلا من طريق ما تقترن به من تأثير فاعل(2) وعند تحليل السياسة الدولية بالإمكان تصنيف القوة إلى أُسس ثلاثة (الفعل، القدرة، رد الفعل)(3). وعليه، يمكن القول إن مفهوم القوة قد مر بمراحل عدة، وهي كالاتي:

1 ـ المفهوم التقليدي للقوة: يمكن حصر هذه المرحلة ببداية ظهور الحضارة الى عام 1850، وافضل من فسر القوة في هذه المدة هو (مكيافللي) الذي اكد اهمية القوة للحفاظ على امن الدولة والملك، من خلال فرض السيطرة القصيرة على عموم الناس بواسطة القوة.

2 ـ المفهوم الحديث للقوة: اذ تنحصر هذه المدة ما بين عام 1850الى عام 1945، اذ ان ظهور الثورة الصناعية أدى الى نقلة نوعية في تصنيع الاسلحة، فانعكس ذلك على تطور مفهوم القوة الحديث، التي تتمحور حول اختراع البارود والمكائن البخارية. ويعتبر ان كلاً من كلاوزفيتز ومورجنثاو، من المفكرين الذين اكدوا على انعكاس التطورات التي حدثت في تلك المدة على مفهوم القوة.

3 ـ المفهوم المعاصر للقوة: بين 1945الى عام 1990، أذ بعد انتهاء الحرب الثانية دخل العالم في عصر التطور والأسلحة المتطورة تكنولوجياً، ما انعكس على مفهوم القوة المعاصر ولاسيما في حقبة السبعينات من القرن الماضي، اذ حدثت طفرة في مجال التطور التكنولوجي بشكل عام وعلى تطور الاسلحة بشكل خاص(4).

4 ـ المفهوم الميتامعاصر للقوة: بدأ هذا المفهوم الجديد للقوة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وبروز ظاهرة جديدة للقوة وهي "القوة الناعمة"، ويعد من المفاهيم الحديثة نسبيًا التي جذبت اهتمام الباحثين والسياسيين على السواء، من خلال الجاذبية والفعل من بعد، الذي تحدث عن هذا المبدأ كل من نيوتن واينشتاين في نظريته النسبية الذي اكد فيه على عامل الجذب من بعد، وبعد هذا المفهوم جاء مفهوم القوة الذكية الذي يجسد دمج القوة الصلبة مع القوة الناعمة من اجل احتفاظ كلتا القوتين بميزاتهن، كما جاء مفهوم القوة الافتراضية والذي يركز على فضاءات القوة التكنلوجية للدولة(5).

ومن خلال ما سبق سوف نتطرق الى مفهوم القوة الصلبة والناعمة والذكية والافتراضية كالاتي:

1 ـ مفهوم القوة الصلبة (الخشنة)

تتألف القوة الصلبة من عناصر القوة المادية: العسكرية، والاقتصادية، وقد ارتبط الحديث عن هذا الشكل للقوة، وخصوصاً القوة العسكرية، بفكر المدرسة الواقعية، في حين تبني جوزيف ناي تعريفا أوسع للقوة الصلبة، لا يقتصر علي القوة العسكرية فقط، حيث رأي أنها تعني أيضا "القدرة علي استخدام الجزرة من طريق الأدوات الاقتصادية، بهدف التأثير في سلوك الآخرين" وبالتالي، يمكن التمييز بين مكونين للقوة الصلبة، يتمثل المكون الأول في القوة العسكرية، وتعد من أكثر أشكال القوة الصلبة تقليدية واستخداما لتحقيق أهداف الدولة، وتتعدد صور وأشكال استخدام القوة العسكرية، على نحو يمكن معه التمييز بين خمسة أنماط لاستخدامها، تراوح بين ديبلوماسية الإكراه، التي تعبر عن أخف استخدامات القوة، إلي الاستخدام المباشر للقوة العسكرية، والتي تعبر عن أكثر الاستخدامات مباشرة ووضوحا.

2 ـ مفهوم القوة الناعمة

تعني القوة الناعمة القدرة على التأثير في سلوك الآخرين من خلال إعادة تشكيل أولوياتهم من دون استخدام أدوات إكراه، ولكن من خلال الإقناع والاستقطاب المرتبط بمصادر وقدرات غير ملموسة مثل: نشر الأفكار والمعلومات، ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التليفزيوني، وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية، يكون هدفها دعم المعارضة للنظم القائمة. فالدولة التي تتمتع بهذا النوع من القوة يمكنها تحقيق المخرجات التي تريدها في السياسات العالمية، لان دولاً اخرى تريد اتباعها، وبهذا المعنى تكون القوة اللينة قائمة اساساً على القدرة على تشكيل افضليات الاخرين(6).

ولقد اكتسب المفهوم أهمية خاصة بعد تداعيات القوة العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق، فقد أثبتت الحالتين أن القوة العسكرية ليست فاعلة على نحو مطلق، فلجأت اكثر الى سياسة العقوبات الاقتصادية، ولعل المثال الواضح على ذلك هو العراق في حقبة ما قبل الاحتلال الأمريكي، كما في الحالة الإيرانية، أذ يعد "جوزيف سي ناي" اول من اطلق هذا المفهوم في بداية التسعينات في القرن الماضي، أذ يمكن تعريفها بـ "القدرة على تشكيل تفضيلات الاخرين" اي انها تعد مركز جذب للأخرين(7).

تعتمد هذه القوة على(8):

ـ العامل التكنولوجي

ـ القيم المجتمعية

ـ العامل الثقافي

ـ السياسات الناجحة

3 ـ مفهوم القوة الذكية

تعني توظيف القوة الناعمة والقوة الصلبة في استراتيجية واحدة تعرف بالقوة الذكية، اي استخدام الوسائل العسكرية والضغوط الاقتصادية، فضلاً عن الوسائل الناعمة من اجل تحقيق هدف معين، وهذه القوة تعني القوة الذكية(9)، وعرفها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بـ "النهج الذي يؤكد على ضرورة وجود جيش قوي، ولكن تستثمر بكثافة في التحالفات، والشراكات، والمؤسسات من جميع المستويات لتوسيع النفوذ الاميركي وإقامة شرعية العمل الأميركي(10)".

كما هي مفهوم يربط بين التسامح والشدة، فبالقوة الناعمة تكون الدولة قادرة على التأثير بشكل كبير من خلال الاغراء بدلاً من القسر، ومن خلال المساعدات الاقتصادية والتبادل الثقافي مع الدول الاخرى، والاعتماد على الشرعية وخلق المصداقية بالخارج، مع التلويح الدائم بامكان استعمال القوة، كما ان من ادوات القوة الذكية التركيز على الشركات والتحالفات والمؤسسات الدولية، و توظيف التنمية العالمية التي تعني تقديم مساعدات انسانية، فضلاً عن التعاون مع المؤسسات الانسانية، كذلك استقطاب الشعوب من خلال استخدام الديبلوماسية العامة التي تعمل على تحسين صورة الدولة لدى شعوب الدول الاخرى، فضلا عن توظيف التكامل الاقتصادي من خلال المساهمة الفاعلة لدى المؤسسات الاقتصادية العالمية، والتركيز على دور التكنولوجيا والابتكار وامن الطاقة(11).

4 ـ مفهوم القوة الافتراضية:

تعتمد القوة الافتراضية على قدرتها على الاختراع والابتكار وإنتاج التكنولوجيا العلمية، وعدد براءات الاختراع الدولية، والتي بدورها ستدعم قوة الاقتصاد، حيث يسميها البعض "حرب المعلومات"؛ الأمر الذي يوضح مدى خطورة عامل القدرة المعلوماتية، ودورها البارز في النظام الدولي، فلقد أصبحت المعلومة هي السمة المميزة للقرن الحادي والعشرين، ومن المرجح أن تستمر لقرون قادمة بجانب الثورة في وسائل الاتصال الحديثة، لدرجة أنه أصبح من الصعب على الإنسان استيعاب كل المعلومات المتوافرة لديه ودراستها واستغلالها، الأمر الذي يحتم على الأفراد والمجتمعات تطوير تقنيات وأساليب لتجميع وتخزين ومعالجة المعلومات، ولهذا، أصبح الصراع على الصعيد العالمي هو الصراع على إنتاج المعلومة وكيفية استغلالها، ما أثر فى الأفكار والقيم السائدة ونمط الحياة، وأصبح الطرف الذي يمتلك القدرة الأكبر في التحكم في وتنظيم عملية إنتاج واستغلال المعلومة، هو المؤهل لكي يحتل مكانًا بارزًا في النظام الدولي.

 

المبحث الاول

مستقبل مؤشرات القوة والتأثير الأميركي في النظام الدولي

من خلال تطرقنا الى مؤشرات القوة والتأثير الأميركي في عهد ولاية اوباما والوقوف على اهم هذه المؤشرات في النظام الدولي وما آلت اليه من اثأر اثرت في ماجريات النظام الدولي، اصبح لابد لنا من أن يصبح لدينا صورة مستقبلية لاهم ممارسات القوة الأميركية في الفترة التي تمتد لنصف العقد القادم اي خمس سنوات، ولذلك اصبح من الضروري التعرف على مستقبل مؤشرات القوة الأميركية في البيئة الدولية القادمة.

وذلك على الرغم من هناك بعض الصعوبات التي تتعلق بطبعة المتغير للنظام الدولي على اعتباران هذا النظام هو عبار عن عدد من الفواعل التي تكون الدول على رأسها، وبما ان للدول سياسات متغيرة بتغير المصالح والذي يؤدي بدوره الى صعوبات تعيق استشراف مستقبل ممارسة الولايات المتحدة الأميركية للقوة في النظام الدولي.

اولاً مستقبل شكل القوة الأميركية في النظام الدولي من خلال استقراء سياسات الولايات المتحدة الأميركية في استخدام القوة في النظام الدولي، ودراسة اهم مقومات القوة التي تدفع بها لمثل هذه للممارسة، إضافة الى اهم الاصول الفكرية لها، وما نتج من هذه الممارسات من اثار يمكن اجمالها في الغالب بأنها سلبية اثرت في مجرى النظام الدولي وبتالي انعكست هذه الاثار على شكل القوة الأميركية في النظام الدولي.

ولكي نصل الى مستقبل شكل القوة الأميركية في النظام الدولي، لابد من اعطاء عدد من المشاهد المستقبلية لشكل القوة لمدة لا تزيد عن خمس سنوات، على اعتبار الطبيعة (الدرامية) للنظام الدولي التي تحول دون ان نعطي مشاهد مستقبلية تمتد لأكثر من خمس سنوات، وبذلك يمكن اعطاء اهم المشاهد لشكل القوة في النظام الدولي، وهي كالاتي:

الاحتمال الاول: توجه الولايات المتحدة لممارسة القوة الصلبة في النظام الدولي

يتوقع هنا ان الولايات المتحدة الأميركية سوف تتجه في الخمس سنوات القادمة الى استخدام القوة الصلبة في النظام الدولي وبشكل منفرد، انطلاقاً من هدف الولايات المتحدة حول البقاء على رأس الهرمية الدولية(12)، وقيادة النظام الدولي بكل الوسائل الازمة، فمن المحتمل ان يحدث هكذا مشهد نتيجة صعود تيار سياسي متزمت كإدارة جورج بوش (الابن) والتي عمدت على استخدام القوة العسكرية بشكل مفرط، فاحتمال لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى ممارسة القوة الصلبة في النظام الدولي ينتج عنه ثلاث مشاهد مستقبلية للشكل القوة الصلبة على اعتبار ان القوة الصلبة تتكون من ثلاث اشكل (القوة العسكرية، الضغوط الاقتصادية، الضغوط السياسية والدبلوماسية)(13)، وبذلك فان احتمالات مستقبل القوة الصلبة يدور حول ثلاث مشاهد هي:

اولاً: احتمال لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى القوة العسكرية وشن الحروب والتدخلات في النظام الدولي، من اجل احكام سيطرتها على مناطق استراتيجية مهمة من العالم ما يتيح لها احكام قبضتها على النظام الدولي.

وبما ان الولايات المتحدة تعاني من إرهاصات نتيجة لسياسات القوة العسكرية في افغانستان والعراق، وما نجم عنها من اثار سلبية اثرت، الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن طبيعة النظام الدولي الذي لا يتحمل التفرد الامريكي فيه وممارسة هكذا قوة بشكل مباشر، نتيجة تصاعد دور بعض القوى في النظام الدولي (الصين وروسيا) ودول البريكس، فضلاً عن شركاء وحلفاء يمكن ان يعارضوا سياسة كهذه كالاتحاد الاوروبي لذلك فان احتمال هذه المشهد هو شبه مستبعد في الخمس سنوات القادمة.

ثانيا: احتمال لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى ممارسة الضغوط الاقتصادية في سياستها الخارجية على بعض الدول التي تراها غير منصاعة لسياساتها فتتجه الى شن العقوبات الاقتصادية، ما يتيح لها من نتائج، يمكن وصفها بالفعالة، من خلال تحقيق هدفين اساسين هما(14):

1 ـ الحصول على التنازلات نتيجة العقوبات الاقتصادية وتحقيق نتائج ملموسة على ارض الواقع

2 ـ الرضى الدولي عن هذه الممارسة التي تتيح تحقيق بعض النتائج من دون اي خسائر بشرية واقتصادية بعكس القوة العسكرية والاقتصادية التي ينجم عنها خسائر بشرية.

3 ـ يمكن ان تشكل هذه العقوبات تحالف اقتصادي دولي، بمعنى انها من خلال هذه العقوبات تحقق انعاش للتحالفات الدولية التي تمر بفترة خمود نسبياً، وبالتالي تحقق هدفاً سياسياً استراتيجياً بوسائل اقتصادية ينجم عنه تداعيات سياسية ايجابية.

ولذلك، يمكن القوة ان احتمال ممارسة الولايات المتحدة سياسة العقوبات الاقتصادية هو احتمال وارد في الفترة القادمة، من لكونها لا تسبب اي اقرار على سمعة وصورة الولايات المتحدة الأميركية في النظام الدولي، والمثال على هذه الممارسات الضغوط الاقتصادية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية على ايران نتيجة البرنامج النووي الايراني(15)، وكذلك الحال مع العقوبات الاقتصادية الغربية على الاقتصاد الروسي نتيجة الازمة الاوكرانية، فالدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية تدرك جيداً انه لايمكن استخدام أي وسائل عسكرية ضد روسيا لكبح نفوذها في اوكرانيا على اعتبار ان الإقدام على أي فعل كهذا سوف يؤدي الى عواقب عالمية وخيمة وبالتالي فقد اتجهت الى العقوبات الاقتصادية والتي يمكن وصفها بوسائل فاعلة نظراً لنجاحها في ايران والتي ادت الى ايران بالمزيد من التنازلات في برنامجها النووي.

ثالثاً: احتمال لجوء الولايات المتحدة الى ممارسة الضغوط السياسية والديبلوماسية انطلاقاً لما تملكه من مقومات قوة، تؤهلها لممارسة مثل هذه السياسة في النظام الدولي، وخصوصاً في القضايا التي يمكن وصفها بأنها قضية تتحمل المفوضات عليه، ويمكن القول ان هذه الاحتمال وارد في السياسة الخارجية الأميركية، ذلك أن هذه السياسات والوسائل الديبلوماسية تشهد احد الركائز الاساسية، والمهمة في السياسة الخارجية الأميركية.

ولكن بالحقيقة فان الولايات المتحدة تستخدم هذه الأداة من اجل تنفيذ الوسائل الاخرة كالتهديد بالقوة والعقوبات الاقتصادية، بمعنى انها تمارس هذه الادوات من اجل ايصال الصورة للطرف الاخر، فهذه الوسائل تخذ على عاتقها وظيفة الايصال والاتصال فقط، فمن المعروف بأن النظام الدولي والسياسة الدولية مبنية على قانون النظرية الواقعية ،والسياسة الخارجية الأميركية واستراتيجيتها تعتمد بشكل كبير على القوة والعقوبات الاقتصادية ووسائل التأثير الجديدة من اجل ايقاع التأثير في النظام الدولي، تمارس مثل هذه الادوات ولكن لوظيفة محددة هي التنفيذ والتمثيل والايصال لأدوات التأثير.

الاحتمال الثاني: توجه الولايات المتحدة الى ممارسة القوة الصلبة (العسكرية) المحدودة بزمن وبحجم معنيين. تقوم افتراضات هذا المشهد على اساس وقائع الاستراتيجية الأميركية التي بنت سياستها بخوص تدخلها المحدود لمكافحة التطرف بواسطة استخدام الطائرات من دون طيار كما هو الحال في الضربات الأميركية في افغانستان واليمن ونيجريا وبالتالي توفر الولايات المتحدة على نفسها تكاليف التدخل العسكري المباشر، فالولايات المتحدة من خلال استراتيجيتها هذه ابتكرت اسلوباً جديدة للتعامل مع المطلوبين الامنيين في العالم من خلال اسلوب عسكري تكنولوجي يقوم على ضرب الخصم من دون التعرض لسيادة الدول الاخرى، وبالتالي هو اسلوب امني ساسي جديد، وهذه الاستراتيجية قائمة لحد الان ويمكن لها ان تستمر لفترة طويلة نظراً لفعاليتها الكبيرة.

كذلك يكن للولايات المتحدة ان تمارس القوة بشكل موقت ومحدد على الارض فهناك تيارات سياسية داعمة لمثل هكذا احتمال من خلال اتباع استراتيجية التدخل الفعال المحدودة من خلال استخدام قوة برية او جوية على الارض معاً او كلاً على حدة من اجل ادارة ازمات دولية مفاجئة او تدخلات انسانية او نصرة الحلفاء لموجهة عدو مشترك، فهكذا احتمال هو امر وارد في سلم الاستراتيجية الأميركية الحالية والاتية فالولايات المتحدة الأميركية تدرك قوتها فهي اول قوة عسكرية في العالم ولكن هذا لا يخولها ان تستخدم القوة بشكل كبير وباستمرار لكنها سوف تتجه الى استخدام القوة المحدود الفعال، كما هو الحال مع الازمة العراقية. فالولايات المتحدة سوف ترسل قوات برية محدودة مدعومة بقوات جوية من اجل مواجهة التهديدات المباشرة في العراق، وبالتالي فان هذه المشهد هو حاضر في الاستراتيجية الأميركية الحالية والقادمة.

الاحتمال الثالث: توجه الولايات المتحدة الى ممارسة القوة الناعمة في النظام الدولي

يدور هذا الاحتمال على ان الولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو استخدام القوة الناعمة في الخمس سنوات القادمة، نتيجة الانعكاسات السلبية الناجمة عن ممارسات القوة العسكرية الأميركية في افغانستان والعراق، والتي اثرت على مكانة وصورة الولايات المتحدة في النظام الدولي(16)، فاحتمال توجه الولايات المتحدة الى ممارسة التأثير من خلال الاسلوب الناعم الذي يعتمد على اجتذاب الاخرين، من خلال الأعجاب والميول من دون التأثير المباشر على الاخرين، وممارسة هذا التأثير في الشعوب والمجتمعات اكثر من الحكومات واجتذابها، فضلاً عن كسب ود وميول هذه الشعوب وترك السياسة التي تحول اجتذاب الانظمة التي كانت متبعة في الادارات الأميركية السابقة، ولذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو ممارسة القوة الناعمة التي توفر لها التأثير في الاخرين ولكن في بعض الاحيان يجب عليها ان تعضد هذه السياسية بسياسة صلبة، من اجل ضبط ايقاع التأثير(17)، وبالتالي فإن ممارسة الولايات المتحدة هذه السياسة هو أمر محتمل الحدوث(18).

 

الاحتمال الرابع: توجه الولايات المتحدة الى ممارسة القوة الذكية

يبنى هذا الاحتمال على اساس ان الولايات المتحدة الأميركية تتجه في الامد القريب الى اتباع سياسة القوة الذكية التي تبنى على اساس التألف والمزاوجة باستمرار بين وسائل القوة الصلبة والقوة الناعمة، من اجل تعضيد القوة الناعمة وجعلها اكثر تأثيراً واقناعاً بأن للقوة الناعمة دوراً في اعطاء نوع من القبول والشرعية للقوة الصلبة، اذاً كل من هذه السياسات مكملة للأخرى، فالولايات المتحدة سوف تتجه نحو ممارسة هذه السياسة من اجل تحقيق هدفها الرئيسي الذي يدور على الاستمرار في التربع على راس الهرمية الدولية وقيادة النظام الدولي، وبذلك يكمن شرح الدوافع الأميركية من وراء التوجه نحو سياسة القوة الذكية وهي(19):

اولاً: ممارسة التأثير في النظام الدولي، ولكن اسلوب هذا التأثير يختلف من حيث الاداء ودرجة القبول الدولي لها، مقارنة بالسياسة الصلبة التي كانت تمارسها الولايات المتحدة في الفترة السابقة.

ثانياً: رفع العناء عن كاهل الاقتصاد الامريكي، من خلال تقليل النفقات العسكرية وسحب القوات العسكرية من مناطق معنية إضافة الى الاعتماد على قوات الحلفاء الاستراتيجيين في بعض المواقف.

 

ثانياً: مستقبل توجهات الأميركية للقوة في النظام الدولي

من خلال دراستنا لمؤشرات القوة والتأثير الأميركي في النظام الدولي توصلنا الى فرضية مفادها ان الولايات المتحدة تعد القوة الاولى في العالم، وتبنى كل استراتيجياتها على اساس القوة بكل اشكالها، وبالتالي سوف نتطرق الى مدى توجهات الولايات المتحدة الأميركية للقوة ومدى مقبولية هذه القوة لها حسب ماهية مصالحها والاوضاع الدولية والداخلية، وسوف نحاول الإجابة عن التساؤل الذي يدور حول مدى توجه الولايات المتحدة الأميركية نحو القول هل سوف تتوجه نحو القوة بتوسع بالاستخدام او سوف تحذر في استخدامها وهل سوف تتجه نحو الشراكة والوكالة في استخدام القوة، كل هذه التساؤلات سوف نجيب عنها من خلال اعطاء عدد من الاحتمالات المستقبلية للتوجهات القوة الأميركية في النظام الدولي وهي كالاتي:

الاحتمال الاول: اتجاه الولايات المتحدة الأميركية نحو الاستمرار في ممارسات القوة في النظام الدولي

يدور هذه الاحتمال المستقبلي على ان الولايات المتحدة سوف تستمر في ممارسات القوة والاكراه في النظام الدولي، وبصرف النظر عن شكل هذه القوة وطبيعتها، على اساس ان الولايات المتحدة يحكمها مبدأ البرغماتية في التعامل مع الغير، ومن اجل تحقيق هدفها الاستراتيجي وهو التربع على عرش الريادة الدولية، سوف توظف كل امكاناتها من اجل منع اي طرف دولي منافس لها من الوصول الى عرش الهرمية الدولية(20).

ولكن رغم ان الولايات المتحدة الأميركية لها هدف اساسي ودائم في النظام الدولي وهو البقاء على راس النظام الدولي والهيمنة عليه، لكن متغيرات الواقع الفعلي الداخلية والخارجية تفرض عليها بعض القيود التي تحول دون الاستمرار في ممارسات القوة والاندفاع الكبير لممارسة التأثير على الدول، فاذا ما مارست الولايات المتحدة القوة في النظام الدولي فأنها سوف تتجه الى اساليب جديدة لنهج هذه الاسلوب، من خلال وسائل جديدة للتأثير وابتكار اساليب جديدة للقوة كالقوة الذكية فضلاً عن انتهاج استراتيجية جديدة تعرف باليد الخفية والتي تصاغ حالياً في مراكز البحوث الأميركية.

وبالتالي يمكن القول إن هذا الاحتمال المستقبلي شبه محتمل الحدوث في النظام الدولي في الفترة القادمة والقريبة ايضاً على اعتبار ان التوجهات الأميركية الحالية يمكن وصفها بالتوجهات الاندفاعية الهجومية نحو التوسع وهو ما اثبتته الازمتين السورية والاوكرانية والتوجه نحو شرق اسيا من اجل احتواء النفوذ الصيني وبالتالي هي مؤشرات تدل على مدى قوة التوجهات الأميركية نحو الهيمنة الدول بكل الوسائل(21).

ووهنا يمكن ان يكون لجوء الولايات المتحدة الى الاستمرار في استخدام القوة في النظام الدولي بإحدى الوسائل الاتية:

1 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى الاستمرار في استخدام القوة من خلال التفرد في استخدام القوة بحكم بانها قوة عالمية سوف تعمد على التفرد في ممارسة القوة والقيادة في النظام الدولي على اعتبار ان للولايات المتحدة جملة من الأهداف العالمية التي يتربع عليها هدف الهيمنة والبقاء في الهرمية الدولية(22)، وبذلك فانه سوف تعمل على توظيف كل الامكانات المتاحة من اجل تحقيق مصالحها العالمية.

2 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى الاستمرار في استخدام القوة في النظام الدولي من خلال الشراكة في الامد القريب، وهو احتمال يقوم على اعتبارات داخلية وخارجية. فالداخلية منها تدور حول ضعف الاقتصاد الامريكي(23)، اما الاعتبارات الخارجية فتدور حول طبيعة المجتمع الدولي الذي يفرض على الولايات المتحدة هذه السياسة من خلال صعود القوى الكبرى وضرورة اخذ لها دور لها في النظام الدولي(24)، فالولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو ممارسة القوة بالشراكة من خلال تفعيل دور الاحلاف العسكرية والاقتصادية إضافة الى تفعيل العلاقات الثنائية بين الدول(25)، والتي توفر للولايات المتحدة الأميركية تحقيق مصالحها العالمية على اعتبارات عدة اهمها:

اولا: ان ممارسة القوة بالشراكة يوفر للولايات المتحدة الأميركية فرصة رفع العبء عن كاهل الاقتصاد الامريكي من خلال توزيع الادوار بين الشركاء.

ثانياً: تحيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية بكفاءة عالية من خلال تعضيد القوة الأميركية بالقوة الاخرى للدول المتشاركة.

ثالثاً: توفر هذه السياسة فرصة كبيرة للولايات المتحدة لبسط نفوذها على مناطق كان من الصعب فرض السيطرة عليها.

لكن رغم ان ممارسة القوة بالشراكة له ايجابيات كثيرة الا ان له سلبية وحيدة تدور حول اقتسام العوائد والمكتسبات بين الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يفوت عليها فرصة الهيمنة الكلية على النظام الدولي. واخيراً يمكن القول إن احتمال حدوث هذه المشهد هو شبه وارد في النظام الدولي لاعتبارات قد ذكرنها سابقاً.

3 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى الاستمرار في استخدام القوة في النظام الدولي بالوكالة من خلال اعطاء الضوء الاخضر للحلفاء الاستراتيجيين الموجودين في المناطق والتخويل لهم بممارسة القوة بكافة اشكالها من اجل تحقيق المصالح المشتركة، فرغم ان الولايات المتحدة تمارس هذه السياسة من فترة بعيدة الا انها بعد احداث 11 ايلول/سبتمر قد تراجعت بحكم صعود التيار المحافظين الجدد الذي يرفض اي مشاركة للقوى الاخرى في قيادة النظام الدولي(26)، ولكن بعد مجيئ الادارة الجديدة بقيادة الرئيس باراك اوباما اتجهت نحو ممارسة مثل هذه السياسة من خلال التركيز على الحلفاء الاقليمين مثل (كوريا الجنوبية واليابان وتايوان) في شرق اسيا، (وبريطانيا والمانيا) في اوروبا، وفي الشرق الاوسط (تركيا والسعودية واسرائيل وقطر) فمثلاً دور قطر المتصاعد في المنطقة والذي يفسر على انها الدولة الوكيلة للولايات المتحدة الأميركية في ممارسة الضغوط الاعلامية وخصوصاً ما حدث من تغيرات عصفت بالمنطقة(27).

فاحتمال الوكالة في ممارسة القوة لدى الولايات المتحدة في الامد القريب هو احتمال وارد فعلاً على اعتبار وجود مثل هذه الممارسة على ارض الواقع .

الاحتمال الثاني: اتجاه الولايات المتحدة الأميركية نحو التوسع في ممارسات القوة في النظام الدولي

ينطلق هذه الاحتمال من ان الولايات المتحدة سوف تتوسع في استخدام القوة في النظام الدولي بما يخدم مصالحها، ومتجاهلة بذلك أي قيود أو عراقيل تفرضها طبيعة النظام الدولي على سياساتها هذه، منطلقة بذلك من امكانات القوة التي تملكها، ومن خلال التفسير الواقعي لرؤيتها للنظام الدولي، وضرورة هيمنتها على العالم وتحقيق الحلم الامريكي الداعي الى قيادته، ومن هذا المنطق فسوف تتجه الولايات المتحدة الى التوسع في استخدام القوة وعدم تفويت الفرصة من اجل تنفيذ اهدافها الخارجية(28).

كما ان الولايات المتحدة سوف تستخدم كل اشكل القوة وعلى رأسها القوة العسكرية من اجل تحقيق اهداف المذكورة اعلاه، ولكن وقائع الحاضر تحول دون ان يتحقق هذا المشهد في المستقبل القريب على اعتبار ان هناك آثار سلبية لممارسات القوة الأميركية وخصوصاً في حربها على افغانستان والعراق، والتي انعكست على البيئيتين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. وهنا يتوقع ان تلجأ الولايات المتحدة الأميركية الى التوسع في استخدام القوة بإحدى الوسائل الاتية:

1 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى التوسع في استخدام القوة من خلال التفرد، اذ تعد الولايات المتحدة قوة رقم واحد في النظام الدولي، تمتلك مقومات تؤهلها للتفرد في استخدام القوة وتوسع نطاق استخدامها بما يخدم مصالحها في العالم، وبالتالي فإنها لن تتردد في التفرد في استخدام القوة، ونبع هذا الإتجاه من الرغبة في الهيمنة على النظام الدولي وعدم السماح التفرد في استخدام القوة بمشاركة اي قوى دولية في ادارة المتغيرات الدولية في العالم.

2 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى التوسع في استخدام القوة من خلال الشراكة مع القوى الدولية والاقليمية من اجل تنفيذ اهدافها في النظام الدولي، فالولايات المتحدة الأميركية تتوجه نحو استخدام القوة ولكن بأسلوب مختلف تماماُ عن السابق، فتتجه نحو استخدام القوة بالشراكة مع بعض الحلفاء الاستراتيجيين من اجل تنفيذ المصالح الأميركية، ويقتصر دور الولايات المتحدة الأميركية في هذا الاحتمال على تقديم بعض الدعم والمشاركة الجزئية مع الحلفاء، فضلاً عن ان القيادة تبقى بيد الولايات المتحدة الأميركية.

3 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى التوسع في استخدام القوة من خلال الوكالة لبعض القوة الاقليمية والدولية في ادارة بعض القضايا التي تهم الجانب الامريكي والقوى الاخرى، فتعمد الولايات المتحدة إلى الاعتماد على بعض القوى من اجل ادارة بعض الصراعات والازمات بدلاً منها، وهذا يوفر لها تنفيذ اهدفها بأقل كلفة وبعد انظار الرأي العالم عنها اذ ما حدثت تداعيات سلبية، وبالتالي فان دور الولايات المتحدة في هذا الاحتمال يقتصر على توجيه القوى الموكل اليها تنفيذ بعض الادوار في بعض القضايا.

الاحتمال الثالث: اتجاه الولايات المتحدة الأميركية الى التراجع عن ممارسات القوة في النظام الدولي

يشير هذ الاحتمال إلى ان الولايات المتحدة الأميركية سوف ترجع عن ممارسات القوة في النظام الدولي لمدة منتصف العقد القادم على اعتبار انها واجهت اثاراً سلبية انعكست على النظام الدولي والذي اثر بشكل كبير في مكانة الولايات المتحدة الأميركية فيه(29)، ويعود التراجع عن ممارسة القوة لتحقيق هدفين اساسين يتمثل الاول في تحقيق نوع من التوازن الذاتي من خلال الانطواء الى الداخل والوقوف على نقاط الضعف الداخلية لها، اما الهدف الثاني فيدور على المحافظة على ما تبقى من القوة الأميركية والعمل على تحسينها من خلال المعالجة الداخلية والتي سوف تنعكس على تعضيد القوة الأميركية(30).

ولذلك ان تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن ممارسة القوة في النظام الدولي لمدة نصف العقد القادم هو مشهد شبه محتمل الحدوث وذلك لأنه من المستحيل ان تتراجع الولايات المتحدة عن دورها العالمي في النظام الدولي، الا إذا فرض النظام الدولي هذا التراجع، نتيجة قيام متغيرات تؤثر على هيكلية النظام الدولي كقيام حرب بين القوى الكبرى.

وهنا، يتوقع ان تتراجع الولايات المتحدة عن استخدام القوة في النظام الدولي، الا انها ستبقى استخداماتها للقوة عبر احدى الوسائل الاتية:

1 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى استخدام القوة من خلال الشراكة مع بعض القوى والحلفاء الاستراتيجيين في النظام الدولي، على اعتبار ان الولايات المتحدة تعاني من تراجع ملحوظ في النظام الدولي الناجم عن الاثار السلبية الناتجة من بعض السياسات الخاطئة في النظام الدولي، وبالتالي فأنها سوف تتجه نحو الشراكة من اجل الابقاء على المكانة التي تتمتع بها في النظام الدولي.

2 ـ احتمال توجه الولايات المتحدة الى استخدام القوة من خلال الوكالة لبعض الحلفاء من اجل القيام ببعض المهام والوظائف التي كانت تقوم بها في السابق، وذلك بحكم المتغيرات الداخلية والخارجية والتي اثرت في الولايات المتحدة بشكل مباشر او غير مباشر، جعلت من الولايات المتحدة التوجه نحو القيام بتوكيل بعض الدول من اجل القيم بمهام تنصب في مجملها في تنفيذ مصالح امريكية في المرتبة الاولى.

الاحتمال الرابع: توجه الولايات المتحدة الأميركية نحو الحذر في ممارسة القوة ودراسة الية استخدامه

ينطلق هذا الاحتمال من افتراض يقوم على اساس ان الولايات المتحدة الأميركية تتجه في الامد القريب نحو ممارسة القوة في النظام الدولي ولكن تكون ممارستها محسوبة من منطلق الربح والخسارة وحجم الاثار السلبية والايجابية الناتجة من هذه الممارسات حيال قضايا استراتيجية مهمة في النظام الدولي، فسوف تبدأ بممارسة ما تسمه سياسة الدفاع الذكية التي تعتمد على الحروب الإلكترونية وخصخصة الحروب وتوظيف وسائل غير عسكرية من اجل تنفيذ اهدافها الخارجية(31)، وبالتالي يمكن القول إن هذا المشهد محتمل الحدوث في الأمدين القريب والمتوسط.

واخيراً يمكن ان نشير بأن كل ما ذكر سابقاً من مشاهد واحتمالات لمؤشرات القوة والتأثير للولايات المتحدة الأمريكية يمكن ان يطبق كلاً على حدة في استراتيجية تختلف عن الاخرى، بمعنى ان الادارة الأميركية الحالية او الاتية يمكن ان تمارس القوة حسب كل الاحتمالات السابقة لكن في اوقات مختلفة، فالكل يعلم ان الادارة الأميركية تضع استراتيجية شاملة تتفرع منها استراتيجيات اخرى وبالتالي توفر لها حرية المناورة حسب مقتضيات البيئة الدولية.

 

ثالثاً: مستقبل شكل ممارسة القوة الأميركية في النظام الدولي

تدور هذه الدراسة المستقبلية على اعطاء بعض المشاهد المحتملة لشكل ممارسة القوة الأميركية في النظام الدولي من خلال قيام قراءة الواقع الفعلي لمكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، إضافة الى تأثير التداعيات التي انعكست في ظلالها في مستقبل شكل ممارسة القوة لدى الولايات المتحدة الأميركية، فلذلك يمكن طرح عدد من المشاهد المستقبلية التي تبين مستقبل شكل ممارسة القوة الأميركية النظام الدولي وهي كالاتي:

الاحتمال الاول: لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى التفرد في ممارسة القوة في النظام الدولي

ينطلق هذا الاحتمال من فرضية تؤكد بان الولايات المتحدة الأميركية سوف تتجه نحو التفرد في ممارسة القوة في النظام الدولي في المدة التي تمتد لنصف العقد القادم، فالولايات المتحدة وبحكم كونها قوة عالمية سوف تعمد على التفرد في ممارسة القوة والقيادة في النظام الدولي على اعتبار ان للولايات المتحدة جملة من الأهداف العالمية التي يتربع عليها هدف الهيمنة والبقاء في الهرمية الدولية(32)، وبذلك فانه سوف تعمل على توظيف كل الامكانات المتاحة من اجل تحقيق مصالحها العالمية .

ويمكن القول إن هذا الاحتمال هو مستبعد الحصول في الامد القريب على اعتبار ان النظام الدولي في طبيعته الحالية لا يتقبل تفرد دولة معينة من اجل قيادة هذه النظام وممارسة سياساتها بكل حرية من دون ان تتأثر بطبيعة هذا النظام، ولذلك فان الولايات المتحدة لا يمكن لها ان تتفرد في ممارسة القوة بشكل انفرادي من دون أن تأخذ على عاتقها عدداً من التداعيات التي تؤثر فيه.

الاحتمال الثاني: لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى ممارسة القوة في النظام الدولي من خلال الشراكة

يقوم هذه المشهد المستقبلي على ان الولايات المتحدة الأميركية سوف تتجه نحو ممارسة القوة بالشركة في الامد القريب على اعتبارات داخلية وخارجية فالداخلية منها تدور حول ضعف الاقتصاد الامريكي(33)، اما الاعتبارات الخارجية فتدور حول طبيعة المجتمع الدولي الذي يفرض على الولايات المتحدة هذه السياسة من خلال صعود القوى الكبرى وضرورة اخذ دور لها في النظام الدولي(34)، فالولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو ممارسة القوة بالشراكة من خلال تفعيل دور الاحلاف العسكرية والاقتصادية إضافة الى تفعيل العلاقات الثنائية بين الدول(35)، والتي توفر للولايات المتحدة الأميركية تحقيق مصالحها العالمية على اعتبارات عدة اهمها:

اولا: ان ممارسة القوة بالشراكة يوفر للولايات المتحدة الأميركية فرصة رفع العبء عن كاهل الاقتصاد الامريكي من خلال توزيع الادوار بين الشركاء.

ثانياً: تحيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية بكفاءة عالية من خلال تعضيد القوة الأميركية بالقوة الاخرى للدول المشاركة. فرغم ان ممارسة القوة بالشراكة له ايجابيات كثيرة الا ان له سلبية وحيدة تدور حول اقتسام العوائد بينها ما يفوت عليه فرصة الهيمنة الكلية على النظام الدولي، كما يمكن القول إن احتمال حدوث هذا المشهد هو شبه وارد في النظام الدولي على اعتبارات قد ذكرناها اعلاه.

الاحتمال الثالث: لجوء الولايات المتحدة الأميركية الى ممارسة القوة في النظام الدولي بالوكالة

يقوم هذا المشهد على اساس ان الولايات المتحدة لمدة نصف العقد القادم متجهة نحو ممارسة القوة بالوكالة من خلال اعطاء الضوء الاخضر للحلفاء الموجودين في مناطق المصالح الأميركية وتخويلهم بممارسة القوة بكافة اشكالها من اجل تحقيق المصالح المشتركة، فرغم ان الولايات المتحدة تمارس هذه السياسة من فترة بعيدة الا انها بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر قد تراجعت بحكم صعود التيار المحافظين الجدد الذي يرفض اي مشاركة للولايات المتحدة في قيادة النظام الدولي(36)، ولكن بعد مجيئ الادارة الجديدة بقيادة الرئيس باراك اوباما اتجه نحو ممارسة مثل هذه السياسة من خلال التركيز على الحلفاء الاقليمين (كوريا الجنوبية واليابان وتايوان) في شرق اسيا، (وبريطانيا والمانيا) في اوروبا، وفي الشرق الاوسط (تركيا والسعودية واسرائيل وقطر) وعلى سبيل المثال هناك دور قطر المتصاعد في المنطقة والذي يفسر على انها الدولة الوكيلة للولايات المتحدة الأميركية في ممارسة الضغوط الاعلامية وخصوصاً ما حدث من تغيرات عصفت بالمنطقة(37).

فاحتمال الوكالة في ممارسة القوة لدى الولايات المتحدة في الامد القريب هو احتمال وارد فعلاً على اعتبار وجود مثل هذه الممارسة على ارض الواقع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

مستقبل مؤشرات القوة والتأثير حيال المنطقة العربية والشرق الاوسط

سوف نتناول في هذا المبحث اهم مؤشرات القوة والتأثير للولايات المتحدة الأميركية حيال المنطقة العربية والشرق الاوسط على اعتبار ان هذه المنطقة تعد من اولويات اهتماماتنا فضلاً عن قراءة اهم المشاهد المستقبلية لهذه المؤشرات في هذه الرقعة الجغرافية من العالم، كما ان هذه المنطقة تعد ذات اهتمام كبير لدى الادارات الأميركية كافة، وبالتالي سوف نتطرق الى مؤشرات القوة في عهد ادارة اوباما فضلاً عن افاقها المستقبلية مع تصاعد التخوف من صعود الاسلاميين، قامت الولايات المتحدة في بداية الثورات بالتخبط في السياسة التي يجب أن تتبناها مع الثورات الشعبية الجامحة في أنحاء الدول العربية، فقررت في بداية الأمر انتهاج نهج ذي مسارين، يقوم على أساس تقديم الدعم للزعيم المطلوب إسقاطه، واتخاذ كل الخطوات اللازمة لتأمينه وتأمين النظام واستعادته، مع الوعود بالبدء في الإصلاحات، تمهيداً لتحقيق عملية الانتقال الديمقراطي للسلطة، وهو ما لم يحدث، وتم إسقاط الرئيس التونسي والمصري ومن ثم الليبي واليمني.

ومع الغليان الثوري في العالم العربي، حدث تحول في الموقف الأمريكي بإعلان أوباما أن "مصالح أمريكا ليست معادية لآمال الشعوب"، وهو ما يُمثل تحولا حقيقيا في المواقف الأمريكية، والاستعداد لتحمل بعض المخاطر من فقدان المزايا الأمنية على المدى القصير، لصالح تشجيعها وضمانها على المدى الطويل.

ويلاحظ وجود تغير في سياساتها الخارجية على أساس الاعتبارات الإنسانية، ومن ثم إتباع مبدأ "ويلسون". ولكن بنجاح عملية الولايات المتحدة في ليبيا في 2011، والإطاحة بنظام القذافي من دون خسائر في الأرواح؛ وكذا بدون أي تمزق خطير في علاقاتها مع غيرها من القوى(38) جعل الولايات المتحدة تنحو إلى اتباع نموذج جديد لتدخلات محدودة في المستقبل يقوم على دعم القيم الأمريكية دون تكلفة كبيرة في المقابل؛ ومن ثم تأمين مصالحها في المنطقة فتبنى نموذج قائم على الحوار من خلال المناقشات الديبلوماسية، وتقديم حوافز اقتصادية لتمكين البرغماتيين، وتقليل مكانة المتشددين

اولاً: مستقبل مؤشرات القوة والتأثير في الاستراتيجية الأميركية حيال الشرق الاوسط

يمكن اعطاء بعض المشاهد المستقبلية للاستراتيجية الأميركية حيال المنطقة والتي يمكن أن تعتمدها الإدارة الأميركية في ظل الثورات العربية وما بعدها للمرحلة المقبلة أي فترة لا تتجوز الخمس سنوات القادمة، ويمكن تلخيص هذه الاحتمالات على النحو التالي:

1 ـ الاحتمال الاول: التعامل مع كل حالة عربية بشكل منفرد، بما يضمن المصالح الأميركية، ولا مشكلة في التعامل مع الأحزاب الإسلامية ما دامت انخرطت في العملية السياسية الديموقراطية.

2 ـ الاحتمال الثاني: فيما يخص دول الخليج (ماعدا البحرين) فإن هناك استراتيجية التغيير الديموقراطي طويلة الأجل  التي ستعد لهذا الغرض، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية وإرساء الحرية والديموقراطية، ومكافحة الإرهاب.

3 ـ الاحتمال الثالث: قد تسعى الى تعويض الحلفاء الذين خسرتهم الولايات المتحدة كحسني مبارك وزين العابدين بن علي، من خلال علاقات براغماتية مع الأنظمة الديمقراطية العربية الجديدة.

4 ـ الاحتمال الرابع: السعي لتغيير صورة الولايات المتحدة الداعمة للأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي، والسعي لترسيخ صورة الولايات المتحدة الداعمة للديموقراطية، من خلال دعم الديموقراطيات العربية الوليدة.

5 ـ الاحتمال الخامس: الاستمرار في عملية احتواء إيران وعزلها عن العالم طالما استمرت في تطوير طموحاتها النووية وفي قمع شعبها.

6 ـ الاحتمال السادس: الاعتماد على قوى إقليمية جديدة في الشرق الأوسط لضمان الاستقرار والأمن في المنطقة، مثل تركيا وإسرائيل والسعودية في الوقت الحاضر.

7 ـ الاحتمال السابع: عدم تقديم أي دعم عسكري للأنظمة العربية الديموقراطية الجديدة، واستبدال ذلك بدعم لمؤسسات المجتمع المدني باتجاه ترسيخ الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والثقافة والتعليم، وهو ما يعضد سياسة القوة الناعمة في تلك البلدان.

ثانيا: مستقبل حركات التغير العربية في ظل مؤشرات القوة والتأثير الأميركية في المنطقة

يمكن القول إن بدايات ثورات الربيع العربي كانت توحي لنا بأن عهد الاستبداد السياسي قد ذهب ولن يعود وان الشعوب العربية اخيراً قد تحصد ثمار الوعي المتأخر ولكن بعد فترة ليست طويلة انقلبت الاوضاع في بلدان الثورات العربية من خلال استهداف الثورات بسياسات خارجية لدول اقليمية ودولية تهدف الى تحويل مسار مطالب الشعوب بما يخدم مصالها، ولتنفيذ اهداف محدودة في الدول التي حدثت فيها الحركات التحررية، وبالتالي فان الولايات المتحدة كما هو معرف قد تذبذب موقفها من الثورات العربية بين مؤيدة في الظاهر وغير مؤيدة حسب مصالها في تلك الدول .

وبالتالي فإنه لا بد من معرفة اهم الاتجاهات المستقبلة لاهم سياسات القوة الأميركية حيال ثورات الربيع العربي من اجل الوقوف على اهم نقاط الضعف والقوة لتلك الحركات، ولرصد مخططات الاستراتيجية الأميركية في المستقبل القريب والمتوسط حيال حركات التغير العربي(39)، وكما هو معلوم للجميع فان تحديد مستقبل حدث ما في بيئة يغلب عليها الحركة الدائمة والسياسة الدولية امر صعب، ولكن يمكن القول وبكل ثقة إن معظم حركات التغير في الربيع العربي هي حركات اسلامية وبالتالي لابد ان نحدد اهم الاتجاهات والاحتمالات المستقبلية لواقع البيئة السياسية لدول الربيع العربي وخصوصاً البيئة التي تمتاز بحركات الاسلام السياسي فيها وهي كالاتي:

الاحتمال الاول: استمرار حال عدم الاستقرار السياسى:

من المتوقع أن ينتشر عدم الاستقرار السياسى فى الشرق الاوسط ويتعمق فى المستقبل المنظور، فقد سقطت الأنظمة الحاكمة فى تونس ومصر وليبيا واليمن، بينما تستمر الانتفاضات العنيفة فى سوريا، فالتحديات التى واجهت هذه الدول كانت حادة، بعض الأنظمة الأخرى بما في ذلك السعودية والأردن والمغرب والامارات العربية المتحدة والكويت شهدت احتجاجات شعبية، وكذلك الأردن التى تعد حليفا أساسيا للولايات المتحدة واسرائيل، تبدو مرشحة لمزيد من عدم الاستقرار السياسى، فالدول الثورية فى المنطقة تواجه صعوبات عديدة، ولكن التحديات تختلف من دولة لأخرى، فى بعض الدول مثل مصر وتونس تكمن المشكلة فى اصلاح مؤسسات الدولة، وفي ليبيا حيث تعمد القذافى عدم بناء مؤسسات، يكمن التحدي في اقامة مؤسسات، أما المشاكل التى تواجه اليمن فتتعدى الانتقال السياسى وتمتد لتشمل تحديات ديموغرافية، وهو ما سيلقى ظلال من الشك حول قدرة اليمن على أن تصبح شريكاً للولايات المتحدة الأميركية وهنا يذكرنا علماء العلوم السياسية بأن الحكومات التى تقع فى منتصف المسافة بين النظم التسلطية والنظم الديموقراطية هى اقل نظم الحكم استقرارا وأكثرها قابلية للانزلاق إلى عدم الاستقرار السياسي والامني والمؤسساتي.

الاحتمال الثاني: قوى الاسلام السياسى ستستمر فى التصاعد على امتداد المنطقة.

أصبحت القاعدة فاعلا استراتيجيا فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية وبالتالي يطرح تساؤل نفسه حول أولوية المصالح الأمريكية فى مواجهة القاعدة مقارنة بمصالحها الأخرى فى المنطقة، فالواضح أنه ومنذ مقتل ابن لادن فإن القاعدة تكافح من أجل القيام بعمليات على مستوى العالم، وبالرغم من ان التهديدات مازالت قائمة إلا أن هناك عوامل عدة ساهمت فى تراجعها على مستوى الشرق الأوسط منها الحملات التى قامت بها الحكومة الأمريكية في أفغانستان وباكستان واليمن، كما أن الربيع العربي الذي جاء بأحزاب إسلامية بوسائل سلمية كان تأثيره مدويا على صعيد الامساك بمفاتيح التغيير السياسى والاجتماعى(40).

وفي المرحلة المقبلة قد تعتمد الولايات المتحدة على أربعة محاور فى تنظيم علاقاتها مع الدول العربية:

1 ـ مشاركة الشعوب وليس فقط الأنظمة الحاكمة:

ولت الأيام التي كان الديبلوماسيون والعسكريون الأمريكيون يستطيعون خلالها تحديد الأنشطة الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط عبر اتفاق غير معلن مع مجموعة من الزعماء والملوك والجنرالات العرب، ففي عصر الويكيليكس ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تفاصيل وعواقب السياسات الأمريكية تعلن وتناقش على الملأ أكثر من أي وقت مضى، واذا ما استطاعت ثورات الربيع العربى تحقيق أهدافها فان الانظمة الحاكمة الناتجة منها ستكون بالضرورة أكثر استجابة للمصلحة العامة، وبالتالى تحرص الولايات المتحدة على مشاركة جميع فئات الشعب وليس فقط الطبقة الحاكمة ولكن بسياسة هي التي ترسمها للشعوب من خلال وسائل التاثير الناعمة والذكية للسيطرة على الشعوب فضلاً عن اقناع نطاق مجموعة أكبر من قادة الفكر ومختلف الفئات فى المجتمعات العربية بأن العمل مع الولايات المتحدة يصب فى مصلحة بلدانهم(41).

2 ـ استراتيجية مختلفة تجاه الإسلام السياسى:

مع مشاركة الشعوب العربية على نطاق أوسع يجب أن تكيف الولايات المتحدة سياساتها لتبنى استراتيجية مختلفة ازاء الاسلام السياسى، فالاسلام السياسى لا يتنافى مع الديموقراطية وتختلف مظاهر الاسلام السياسى من دولة إلى دولة بالمنطقة وبالتالى تعمل الولايات المتحدة على أن تكون حساسة تجاه الفروق القومية من دولة إلى دولة فيما يتعلق بالاهداف والاستراتيجيات والرؤى وزعامات لأحزاب وحركات الاسلام السياسى، بمعنى آخر يجب تفصيل السياسات لمقاومة الأفراد والجماعات المعادية للولايات المتحدة(42)، وفى الوقت نفسه الاستمرار فى الانفتاح على الافراد والجماعات التى يمكن التعايش والتعاون معها رغم وجود خلافات فى الفكر.

 3 ـ منح الأولوية للإصلاح السياسى:

سوف تعمل الولايات المتحدة على أن تعطى الأولوية القصوى للاصلاح السياسى والاقتصادى فى منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط لأن الاصلاحات تتماشى مع القيم الأمريكية ولكن لانها ستخدم المصالح الاستراتيجية الأميركية، فلم يعد من المناسب أن تعطى الولايات المتحدة الأولوية لتحقيق مكاسب قصيرة المدى تعتمد على أنظمة ترحب بالتعاون فى القضايا الأمنية وتتردد فى تطبيق الإصلاحات بل عليها أن تسعى لتحقيق الاستقرار الدائم فى المنطقة من طريق دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، ورغم أن نتائج الانتخابات الديموقراطية قد لا تعجب الولايات المتحدة أحيانا إلا انه يجب عليها ان تقبل بهذه النتائج.

4 ـ دعم الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية:

تشكل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تحديات خطيرة فى المنطقة، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن تنجح أى سياسة اقتصادية فى مصر اذا لم يتوافر قدر من الاستقرار السياسي الذى يشجع المستثمرين ويجذب السائحين، وقد ظهر ذلك جليا عندما قام صندوق النقد الدولى بالربط بين تقديم مساعدات لمصر تقدر بنحو 3.2 مليار دولار بتحقيق الاستقرار والتوافق السياسى بين الأطراف المحلية المختلفة. وعلى الجانب الآخر نجد أن تونس قد استطاعت تحقيق بعض التقدم الاقتصادى بفضل الاستقرار السياسى(43)، وبصورة عامة يجب على الولايات المتحدة أن تعطى برامج المساعدات الأمريكية الأولوية لقطاعات الزراعة والصحة والتعليم لأنها تمس الناس بصورة مباشرة(44)، وتشجيع الاستثمارات من الجهات المختلفة التى تستهدف الحد من البطالة، فملايين من الشباب العرب العاطلين من العمل يمثلون تهديدا للاستقرار السياسى، ورغم تفضيلها للسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة الا انه يجب على الولايات المتحدة ان تكون على اتم استعداد لمساندة الاستراتيجيات التى قد تتبناها دول المنطقة والتى ربما لن تكون ملتزمة تماما باقتصاديات السوق الحر.

ويمكن القول ان مؤشرات القوة والتأثير الأميركية في النظام الدولي بشكل عام تتذبذب وتتخذ اشكالاً مختلفة وتكيف نفسها حسب طبيعة الازمة والحالة التي يمر بها النظام الدولي فتكييف الولايات المتحدة الأميركية الاستراتيجية القوة لديها يتوافق مع طبيعة المتغيرات الخارجية ويتيح لها امكانية تحقيق اكبر قدر من التأثير بأقل قدر من الخسائر وهكذا نجد انها تارة تتجه الى التوسع في استخدام القوة وتارة تخفف من استخدامها وتلجئ الى نماذج جديدة للقوة والتأثير.

ان الاستراتيجية الأميركية الشاملة في منطقة الشرق الاوسط والمنطقة العربية قد احدثت نتاجات فعالة لصالح الولايات المتحدة الأميركية من خلال معالجة الاخطاء التي وقعت بيها الاستراتيجية السابقة التي كانت قد اعطت اولوية لمنطقة شرق اسيا على حساب المصالح الأميركية في الشرق الاوسط، وبالتالي فان الولايات المتحدة الأميركية لم تجير تغيرات كبيرة على استراتيجيتها حيال المنطقة ولكن اعطاء مبدا التركيز الاستراتيجي الذي يشدد على اهمية القضايا الاستراتيجية في نظر الادارة الأميركية وهي ادارة حركات التغير في المنطقة العربية والملف النووي الايراني وامن الحلفاء (الخليج واسرائيل).

فالولايات المتحدة قد اعتمدت على استراتيجيات وتكتيكات نوعية للتعامل مع مقتضيات التغير في المنطقة بدءاً من القوة الصلبة كما هو الحال في الشأن الليبي مروراً بالقوة الناعمة التي تمارسها من خلال وسائل التواصل الثقافي والاجتماعي والبرامج الدعاية انتهاء بالقوة الذكية التي تجمع ما بين القوة الصلبة والقوة الناعمة من اجل ضبط ايقاع التأثير في المنطقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Newsletter

Name:

Email:

عدد الزوار

mod_vvisit_counterToday11072
mod_vvisit_counteryesterday14054
mod_vvisit_counterLast week46492
mod_vvisit_counterThis month130629
mod_vvisit_counterAll days1167880

We have: 214 guests, 9 bots online
Today: تشرين1 28, 2020

  contact us : cssrd@dm.net.lb

created by AMlebanon.